الإسلام بين القيم والنظام السياسي: التباس الوعي في الموقف من إيران
أيمن قاسم الرفاعي
تمهيد: حين تختلط الرسالة بالنظام
في لحظات الصراع الكبرى لا تختبر الحروب توازن القوى فحسب، بل تختبر أيضًا توازن العقول. فالسياسة في زمن الاستقطاب لا تنتج فقط جبهات عسكرية، وإنما تنتج أنماطًا من الإدراك تتشكل داخلها المواقف الفكرية، فالوعي الذي يفترض أن يزن الأشياء بميزان المعايير يتحول إلى وعيٍ رمزيّ يقرأ الواقع عبر الشعارات والصور الذهنية.
وعند هذه النقطة تنشأ إحدى أكثر الإشكالات الفكرية إرباكًا في في المجال الإسلامي المعاصر: اختلاط الإسلام بوصفه منظومة قيمية كونية مع أنظمة سياسية تستخدم رموزه في صراعات القوة.
هذه الظاهرة تبدو واضحة في موقف شريحة من المفكرين والأكاديمين الإسلامويين (تيار الإسلام السياسي) الذين يندفعون إلى الدفاع عن النظام الإيراني كلما تصاعد التوتر بينه وبين الولايات المتحدة أو إسرائيل. المنطلق الظاهر لهذا الموقف هو الدفاع عن الأمة في مواجهة الهيمنة الغربية، غير أن القراءة المتأنية تكشف خللًا أعمق في بنية الإدراك السياسي؛ خللًا يجعل بعض العقول عاجزة عن التمييز بين الدين بوصفه معيارًا أخلاقيًا والنظام السياسي بوصفه فاعلًا في لعبة المصالح.
تفكيك هذه الظاهرة يحتاج قراءة متعددة الطبقات: نفسية، وسياسية، وفكرية، ثم إعادة تركيبها ضمن إطار تحليلي يكشف القوانين التي تحكم هذا الالتباس.
أولًا: الجذر النفسي للبحث عن “الحامي”
القرن الأخير من التاريخ العربي ترك أثرًا ثقيلًا في بنية الوعي الجمعي. سقوط الخلافة بسلطانها بداية ثم برمزيتها، الاستعمار الغربي، سلسلة الهزائم العسكرية، والانقسامات الداخلية، والتبعية الاقتصادية، ولّدت شعورًا ممتدًا بالعجز الحضاري. في مثل هذه البيئة يبدأ العقل الجمعي بالبحث عن قوة خارجية يتخيل أنها قادرة على تمثيل كرامته المهدورة أو حمايته من خصومه.
هذه الظاهرة معروفة في علم النفس السياسي بآلية الإسقاط الحامي؛ حيث تُسقَط الحاجة إلى الحماية على قوة تبدو في لحظة معينة قادرة على تحدي الخصم الأكبر.
لهذا شهد العالم العربي موجات متتابعة من التعلق بقوى مختلفة:
- الاتحاد السوفيتي في زمن الحرب الباردة
- بعض الأنظمة القومية
- تركيا في لحظة الصعود الإقليمي
- ماليزيا في سياق الإعجاب بالتجربة الاقتصادية
- إيران في سياق المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل
في هذا النمط الإدراكي لا تُقرأ تلك القوى كدول لها مصالحها الخاصة، بل تتحول إلى رموز تعويضية لضعف الذات.
وعندما يحدث ذلك يتراجع التحليل الواقعي لصالح الانتماء العاطفي الذي يقود العقل الجمعي إلى تبسيط العالم إلى معسكرين؛ هذه الآلية النفسية تُعرف في علم النفس السياسي بآلية الاستقطاب الهوياتي.
في هذا النمط الإدراكي يصبح السؤال: من معنا؟ ومن ضدنا؟ أما الأسئلة الأكثر عمقًا — من يمثل القيم؟ ومن يحقق العدالة؟ — فتتراجع إلى الخلف.
عندما يرى بعض الإسلامويين أن الولايات المتحدة وإسرائيل في حربها الحالية او السابقة مع إيران، تتشكل لديهم معادلة ذهنية تلقائية: العدو يقاتل إيران ← إذن إيران في موقع المقاومة ← إذن الدفاع عنها جزء من معركة الأمة.
العقل هنا لا يفحص بنية النظام الإيراني ولا ممارساته بحق المسلمين أنفسهم سواء في إيران او في الوطن العربي، لأن الإدراك يعمل بمنطق الرمزية السياسية لا بمنطق التحليل المعياري.
هذه الظاهرة ليست جديدة. التاريخ السياسي مليء بها؛ حيث تتحول الخصومة مع طرفٍ ما إلى مبرر لتبرئة أي طرفٍ آخر يعاديه. غير أن خطورتها في الحالة الإسلامية تكمن في أنها تنقل الصراع من مستوى السياسة إلى مستوى تمثيل الدين نفسه.
ثانيًا: حين تتحول الدولة إلى رمز ديني
الإسلام في بنيته القرآنية رسالة أخلاقية قيمية تتأسس على العدل، والرحمة، والميزان، وإقامة القسط بين الناس، والأمن والكرامة الإنسانية بعمومها، هذه الرسالة لا تتماهى مع دولة بعينها، ولا مع سلطة سياسية محددة. غير أن جزءًا من الفكر الإسلاموي الحديث – نتيجة تاريخ طويل من سقوط الخلافة والبحث عن بديل رمزي – طور ميلًا شديدًا إلى تديين الدولة، فاختزل الإسلام في فكرة الدولة التي تحمل شعاراته. وعندما ترتدي دولة خطابًا دينيًا تصبح في المخيال السياسي وكأنها تمثل الإسلام نفسه.
عند هذه النقطة ينتقل الدين من موقع المعيار الذي تُقاس به السلطة إلى موقع الهوية التي تحتمي بها السلطة، وهنا يتوقف التفكير النقدي. فالنقد السياسي يتحول في الوعي المؤدلج إلى ما يشبه النقد الديني، ويصبح الدفاع عن الدولة دفاعًا عن العقيدة. وهو ما أشار إليه الفيلسوف الألماني كارل شميت حين رأى أن المفاهيم السياسية الحديثة كثيرًا ما تتحول إلى صيغ لاهوتية مقنّعة، تنتقل فيها القداسة من المجال الديني إلى المجال السياسي.
ثالثًا: النظام الإيراني بين الخطاب الديني والمشروع السياسي
النظام الإيراني الخميني في جوهره الذي لا يخفى على جاهل، هو نظام دولة يحمل أيديولوجيا مذهبية متداخلة مع مشروع قومي فارسي توسعي واضح. فمنذ قيامه عام 1979 تبنى مفهوم تصدير الثورة، وهو مفهوم يعكس فلسفة توسعية تسعى إلى بناء مجال نفوذ إقليمي أكثر منه مفهوم إسلامي أو وطني. هذه السياسة تجلت في شبكة تأثير عابرة للحدود امتدت بشكل مباشر إلى المحيط الجار في العراق ولبنان وسوريا واليمن والخليج العربي وأفغانستان والباكستان وغيرها، فضلاً عن تأثيرات غير مباشرة في كل من أوربا وآسيا وإفريقيا.
النتيجة الواقعية لهذه السياسات ظهرت في صورة صراعات بنيوية داخل مجتمعات عربية هشة:
- تفكيك البنية الوطنية في العراق والهيمنة عليه بعد 2003
- تحويل لبنان إلى ساحة نفوذ إقليمي وتهديد السلم الأهلي وتفتيت المفهوم الوطني
- المشاركة المباشرة في الصراع السوري وارتكاب مجازر التطهير المذهبي
- توظيف الانقسامات في اليمن والانقلاب على الشرعية
- مهاجمة دول الخليج العربي وقصفها في معرض رده على أمريكا واسرائيل
هذه الوقائع لا تحتاج إلى خطاب أيديولوجي لتفسيرها؛ فهي جزء من ديناميكيات النفوذ الإقليمي التي تمارسها دول عديدة، لكن الخطورة تكمن في محاولة تغليف هذا المشروع السياسي بغطاء ديني يمنحه شرعية في الوعي الإسلامي. ولهذا لا يمكن فهم إيران كضحية دائمة في النظام الدولي، كما لا يمكن تصويرها كقوة تحرر إسلامية، إنها فاعل سياسي يسعى إلى تعظيم نفوذه مثل أي قوة إقليمية أخرى، ضمن إطار قومي واضح، فالذاكرة التاريخية للإمبراطورية الفارسية حاضرة في كثير من الأدبيات السياسية الإيرانية.
وفي هذا السياق؛ من أكثر المفاهيم تأثيرًا هو مفهوم المقاومة. هذا المفهوم اكتسب حضورًا عاطفيًا قويًا في الوعي العربي نتيجة الصراع الطويل مع إسرائيل، غير أن تحويله إلى أداة أيديولوجية، يمنح أي نظام يتبناه حصانة رمزية من النقد. إن السياسة لا تُفهم بالشعارات بل بنتائج الأفعال، وهي القاعدة التي يؤكدها تقليد الواقعية السياسية منذ ميكافيللي إلى هانس مورغنثاو؛ حيث تُقاس السياسات بآثارها في ميزان القوة والاستقرار، لا بخطاباتها التعبوية.
لذا وعندما تُقاس الوقائع على الأرض تظهر صورة مختلفة: المنطقة العربية تحولت خلال العقود الماضية إلى ساحات صراع متشابكة، فتت دول واسقطت دول وذبحت شعوب، بينما بقيت إسرائيل في موقع القوة الإقليمية الأكثر استقرارًا. هذه المفارقة تطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى الخطاب الذي يرفع شعارات المقاومة دون أن يغيّر ميزان القوة الحقيقي.
رابعًا: معضلة العقل الإسلاموي
التيار الإسلاموي يعيش توترًا معرفيًا دائمًا بين مستويين لا يستقرّان في وعيه على ترتيبٍ صحيح: مستوى الإسلام بوصفه معيارًا قيميًا، ومستوى السياسة بوصفها مجالَ موازنات وصراعات.
المعضلة لا تبدأ حين يخطئ في تقدير حدثٍ سياسي، بل حين يبدّل وظيفة الدين: الدين في الأصل ميزانٌ يُمتحن به الفعل السياسي، ثم يتحول داخل الوعي الإسلاموي إلى درعٍ يَقي الفعل السياسي من الامتحان. هنا تتشكل ما يمكن تسميته: البراغماتية المقدّسة. وهي ليست مجرد “مصلحة” ولا مجرد “براغماتية”؛ بل آلية أعمق تقوم على تحويل الاصطفاف إلى عبادة، والانحياز إلى هوية، بحيث يغدو تأييد نظامٍ ما جزءًا من “الانتماء”، لا نتيجةً لتحليلٍ ومعيار.
البراغماتية المقدسة هي: أن تُعطى السياسة حصانة دينية بمجرد أنها تتخذ موقع الخصومة مع خصمٍ رمزي (الغرب/إسرائيل)، فتُعفى من المساءلة الأخلاقية، ويُعاد تعريف معيار الحكم من القيم إلى المعسكر.
وبهذا تنتقل الجماعة من سؤالٍ قيميّ تأسيسي: هل هذا النظام عادل؟ هل يحفظ دماء الناس وكرامتهم؟ هل يحقق أمن المجتمعات؟ إلى سؤالٍ قبَليّ عملي: مع من يقف؟ ومن يعادي؟
يحدث التحويل عبر ثلاث خطوات مترابطة:
أ. خصمٌ رمزيّ أكبر: يصير الغرب أو إسرائيل “الخصم الأعلى” الذي يبتلع بقية المعايير.
ب. اختزال السياسة إلى ثنائية: كل من يعادي الخصم الأعلى يُستدعى تلقائيًا إلى “معسكرنا”، مهما كانت طبيعته.
ج. نقل القداسة من القيم إلى الجبهة: فتُقدّس “الجبهة” لا “المبدأ”، ويصبح معيار الصواب هو “الاصطفاف” لا “العدل”.
هنا يحصل انقلاب دقيق: الوعي الذي كان من المفترض أن يزن السياسة بقيم الإسلام، يبدأ بوزن الإسلام نفسه بميزان السياسة.
فتُعاد صياغة المفاهيم: العدالة تُعرّف بما يخدم المعسكر، والظلم يُؤوّل إذا صدر من الحليف.
هذه البراغماتية تحمل تناقضها في قلبها: لأنها تدّعي أنها تدافع عن الإسلام، ثم تُشرعن ما يناقض الإسلام بدعوى “المعركة الكبرى”.
تظهر المفارقة في أبسط اختبارٍ معياري: إذا كان معيار الإسلام هو حفظ الدماء والكرامة والأمن، فأي خطابٍ يبرر تدمير مجتمعات مسلمة، وتفتيت دولها، وتغذية الانقسام داخلها، لا يملك حق الاحتماء باسم الإسلام، مهما رفع من شعار “المقاومة”.
وهنا جوهر الخلل: الوعي الذي يفترض أن يقيس الأمور بميزان القيم، يتحول إلى وعيٍ يقيس القيم بميزان الضرورة السياسية.
هنا يظهر سؤال المليون: لماذا يقع “الأكاديميون” في الفخ؟ والجواب بتبسط مقصود؛ لأن البراغماتية المقدسة لا تعمل كخطأ معرفي فقط، بل كـ نظام مكافأة نفسي:
- تمنح صاحبها شعورًا بأنه “في صف التاريخ الصحيح”.
- تعفيه من ألم الاعتراف بتعقيد الواقع.
- تمنحه هوية جاهزة بدل اجتهادٍ مرهق.
وهذا ما يجعلها مقاومة للنقد: فمن يحاول تفكيكها يُعامل وكأنه يُضعف “الجبهة”، لا كأنه يحفظ معيار الدين.
إذا أردنا تحرير الوعي من هذه العقدة، نحتاج اختبارًا لا يلتبس: اختبر النظام بما يصنعه في حياة الناس، لا بما يرفعه من شعارات. الأثر هو ميزان الحقيقة السياسية.
- هل أنتج أمنًا للمجتمعات أم فوضى؟
- هل حفظ الكرامة أم صنع ميليشيات فوق الدولة؟
- هل قلّل الاستقطاب أم غذّاه؟
- هل صان هوية الشعوب أم اخترقها؟
هذا الاختبار يعيد الدين إلى وظيفته الصحيحة: ميزانٌ فوق السياسة، لا أداة داخلها.
العقدة في العقل الإسلاموي ليست “التباس إيران” وحدها، بل نمطٌ أعم: تعطيل المعيار الأخلاقي لصالح الاصطفاف الهوياتي. وحين تتحول السياسة إلى هوية، يصبح النقد خيانة، وتصبح القيم ديكورًا، ويغدو الدين مجرد لافتة فوق مشروعٍ دنيويّ شديد القسوة.
خاتمة: تحرير الإسلام من أسر الأنظمة
الإسلام ليس دولة، ولا محورًا سياسيًا، ولا طرفًا في صراعات الجغرافيا السياسية، إنه أوسع من خرائط الدول، وأبقى من تحالفاتها العابرة، لأنه منظومة قيمية تقيس بها البشرية معنى العدل والكرامة الإنسانية. وعندما يُختزل الإسلام في نظام سياسي، يتحول الدين إلى أداة في لعبة الدول، وعندما يتحول المفكر إلى مروج لخطاب الاصطفاف يفقد دوره المعرفي.
المسؤولية الفكرية، خاصة لدى الأكاديميين الذين يشكلون وعي الأجيال، تقتضي القدرة على التمييز بين الدين بوصفه معيارًا والأنظمة بوصفها ظواهر تاريخية. لأن الوعي الذي يستعيد هذا التمييز يتحرر من الاستقطاب، ويصبح قادرًا على نقد الجميع دون تبعية، أما الوعي الذي يختزل السياسة في معسكرات متقابلة فإنه يظل أسير الشعارات، ويعيد إنتاج الخلل نفسه الذي أنتج ضعف الأمة في المقام الأول.
في هذه اللحظة فقط يبدأ الطريق نحو وعيٍ سياسي أكثر نضجًا؛ وعي يرى العالم كما هو، ويحتكم إلى القيم دون أن يحوّلها إلى غطاء لسياسات القوة.
الدوحة 04/03/2026









