رهائن الاستقرار: إيران وتكتيك الردع بكلفة الفوضى
أيمن قاسم الرفاعي
تمهيد
في ليالٍ قليلة من التصعيد المتلاحق، شاهد العالم مشهدًا لم يعد استثنائيًا في الشرق الأوسط: صواريخ تعبر سماء الشرق الأوسط ومحيطه، مسيّرات تُعترض وتنفجر فوق مدن آمنة منذ عقود، ناقلات نفط تحتجز أو تغيّر مساراتها في المضائق، وأسواق الطاقة ترتجف وتهتز قبل أن يصل أي صاروخ إلى هدفه.
هذه الصور ليست مجرد حلقات متفرقة في سلسلة توتر إقليمي. إنها تعبير عن تحول عميق في طبيعة القوة في الحروب المعاصرة. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بعدد الجيوش القادرة على احتلال الأرض، بل بقدرة الفاعل السياسي على جعل الاستقرار نفسه رهينة في معادلة الصراع.
في هذا السياق يمكن أن يدرج السلوك الإيراني في المرحلة الراهنة. فالدولة التي تتعرض لضربات متكررة من قوى تتفوق عليها عسكريًا لا تسعى عادة إلى مواجهة مباشرة، لأن المواجهة المباشرة في مثل هذا الاختلال في موازين القوة غالبًا ما تكون قصيرة وحاسمة ضدها. لذلك يتغير ميدان الصراع: من ساحة التفوق العسكري إلى ساحة الكلفة السياسية والاقتصادية للنظام الإقليمي كله.
عند هذه النقطة يظهر نمط استراتيجي يمكن وصفه بـ تكتيك الردع بكلفة الفوضى.فبدل السعي إلى منع الضربات بالقوة، يجري تحويل الصراع إلى معادلة مختلفة:كل ضغط عسكري كبير سيُقابله توسع في دائرة المخاطر، بحيث تتجاوز الحرب كونها مسألة تخص طرفين لتتحول إلى اضطراب يمتد إلى الممرات البحرية وأسواق الطاقة واستقرار الإقليم بأكمله.
أولًا: التصعيد التعويضي وهندسة الفوضى
تشير خبرة التاريخ السياسي إلى مفارقة لافتة في سلوك الدول تحت الضغط: فالدول الأضعف كثيرًا ما تكون أكثر ميلًا إلى التصعيد. حين يختل ميزان القوة بصورة حادة، تفقد الدولة القدرة على الرد المباشر في مركز القوة لدى خصمها، لأن تلك المواجهة ستكون في الغالب قصيرة وحاسمة. عند هذه النقطة يظهر نمط استراتيجي معروف في الأدبيات العسكرية يمكن وصفه بـ التصعيد التعويضي.
في هذا المنطق يتجه الرد غالبًا إلى البيئة الاستراتيجية الأوسع التي يتحرك فيها الخصم، لا إلى المكان الذي وقعت فيه الضربة. وقد لاحظ توماس شيلينغ أن القوة في الصراعات الحديثة لا تتجلى فقط في القدرة على التدمير، بل في القدرة على التحكم في كلفة المستقبل بالنسبة للخصم. لذلك تلجأ الدولة التي تعجز عن موازنة التفوق العسكري المباشر إلى نقل الصراع من ميدان القوة العسكرية إلى ميدان الكلفة السياسية والاقتصادية للنظام الإقليمي بأكمله.
وهنا تتخذ الضربات مسارًا مختلفًا، ويجري الضغط على عناصر البنية التي يقوم عليها نفوذ الخصم عوض التركيز على الجيش الأقوى في مركزه، مثل:
- الممرات الاقتصادية الحيوية
- الحلفاء والشركاء الإقليميين
- سلاسل الإمداد العالمية
- الاستقرار السياسي في البيئة المحيطة بالصراع
بهذه الطريقة يتحول الصراع من مواجهة عسكرية محدودة إلى أزمة نظام إقليمي كامل. فالدولة التي لا تستطيع هزيمة خصمها عسكريًا تسعى إلى جعل استمرار الضغط عليها مكلفًا للجميع.
في الشرق الأوسط يكتسب هذا المنطق أهمية خاصة، لأن المنطقة تمثل إحدى أهم عقد الطاقة والتجارة في العالم. وعندما تتعرض الممرات البحرية أو منشآت الطاقة أو الملاحة التجارية للخطر، إن آثار ذلك تتجاوز المجال المحلي لتصل فورًا إلى أسواق الطاقة العالمية، وأسعار التأمين البحري، وسلاسل الإمداد الدولية. عند هذه النقطة تتحول الفوضى من حالة عرضية إلى أداة استراتيجية مقصودة.
ومن هنا تظهر المعادلة التي تحاول بعض القوى الإقليمية فرضها: إذا أصبح الضغط عليها وجوديًا، فإن الاستقرار الإقليمي نفسه يصبح جزءًا من معادلة الردع. فالصراع يدور حول ميزانين متلازمين: امتلاك القوة العسكرية من جهة، والقدرة على رفع كلفة الصراع إلى مستوى يتجاوز قدرة الخصوم على تحمله من جهة أخرى.
ثانياً: لماذا تُستهدف إيران حتى حلفاءها – قطر نموذجا؟
من أكثر الظواهر لفتًا للنظر في التصعيد الأخير أن بعض الضربات أو التهديدات طالت دولًا تحاول الحفاظ على موقع متوازن في المنطقة وبعلاقات جوار وشراكة استراتيجية، مثل قطر. لفهم ذلك يجب إدراك أن الحروب المعاصرة لا تُدار وفق معيار “الصديق والعدو” التقليدي فقط، بل وفق معيار مختلف: مَن يشكّل مساحة تأثير للقوة المعادية. في هذا المنطق تصبح الدولة التي تستضيف قواعد عسكرية أو بنى تشغيلية أو تأثير سياسي واقتصادي على العدو أو العالم جزءًا من معادلة الصراع حتى لو كانت سياسيًا في منزلة الحليف أو الحياد بأقل تقدير.
وهنا تتحول الرسالة الإيرانية إلى ثلاث طبقات متزامنة:
- رسالة إلى الولايات المتحدة بأن العمل العسكري ضدها ليس بلا كلفة.
- رسالة إلى دول المحيط المؤثرة بأن الحياد السياسي كذبة وإن كان ثمة ضرر سيقع فالتكلفة ستكون عامة.
- رسالة داخلية بأن النظام ما يزال قادرًا على نقل المعركة خارج حدوده رغم الضربات التي يتعرض لها، لتغلق به أبواب الانقلابات والاضطرابات.
بهذا المعنى لا يكون توسيع دائرة الاستهداف مجرد رد فعل عسكري، بل جزءًا من منطق التصعيد التعويضي نفسه: نقل الصراع من مواجهة ثنائية إلى أزمة إقليمية أوسع تزيد كلفتها السياسية والاقتصادية على جميع الأطراف.
ثالثًا: الاقتصاد بوصفه ساحة حرب
شهدت طبيعة الصراع الدولي خلال العقود الأخيرة تحولًا مهمًا؛ إذ لم تعد القوة العسكرية وحدها هي الأداة الأساسية في إدارة الحروب. فقد أصبح الاقتصاد نفسه جزءًا من ميدان الصراع، فيما يسميه بعض منظري العلاقات الدولية تسليح الاعتماد المتبادل الاقتصادي . في هذا السياق تتحول البنى الاقتصادية الكبرى — الممرات البحرية، أسواق الطاقة، شبكات التمويل والتجارة — إلى عناصر ضغط استراتيجية يمكن توظيفها في إدارة الصراع. فالدولة التي لا تستطيع تغيير ميزان القوة العسكرية قد تمتلك قدرة مؤثرة على تعطيل العقد الاقتصادية التي يعتمد عليها خصومها أو النظام الدولي الأوسع.
يمثل مضيق هرمز مثالًا واضحًا على هذا النوع من القوة. فالممر لا يعد مجرد ممر جغرافي إقليمي، بل شريان رئيسي في منظومة الطاقة العالمية. أي اضطراب في هذا الممر ينعكس فورًا على أسواق النفط والغاز، وعلى تكاليف النقل والتأمين، وعلى استقرار الاقتصاد العالمي ككل. ضمن هذا الإطار يصبح الضغط على الممرات البحرية أو البنى المرتبطة بالطاقة جزءًا من معادلة الردع الاقتصادي. فالتوتر في هذه العقد لا يهدد طرفًا واحدًا فقط، بل يفرض كلفة على شبكة واسعة من الدول والاقتصادات المرتبطة بالنظام التجاري العالمي.
وهكذا ينتقل الصراع من نطاق المواجهة العسكرية المباشرة إلى نطاق أوسع تتحول فيه العقد الاقتصادية العالمية إلى أدوات ضغط استراتيجية.
رابعًا: قابلية الصراع للاتساع وإعادة تشكيل النظام الإقليمي
لا يتحدد مسار الصراعات الكبرى فقط بقدرة الأطراف المباشرة على إدارة المواجهة، بل أيضًا بدرجة قابلية النظام الإقليمي والدولي المحيط بها للدخول في الصراع. فالحروب التي تنشأ في بيئات استراتيجية معقدة غالبًا ما تتحول مع الزمن إلى بؤر جذب لقوى إضافية ترى في استمرار المواجهة فرصة لحماية مصالحها أو تعديل توازنات قائمة.
تتعدد الدوافع التي قد تدفع أطرافًا أخرى إلى الانخراط في الصراع. فبعضها يرتبط بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الكبرى التي ترتبط مصالحها بأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية في المنطقة. وبعضها يتصل بتأثير جماعات الضغط الأيديولوجية، خصوصًا التيارات المرتبطة بالتصورات النبوئية في الصهيونية المسيحية، حيث يُقرأ الصراع في الشرق الأوسط ضمن إطار لاهوتي يمنحه بعدًا يتجاوز الحسابات الواقعية التقليدية.
كما تلعب ظواهر معروفة في علم السياسة دورًا في توسيع دائرة النزاع، مثل العدوى الانفعالية بين الدول، حيث يؤدي تصاعد التوتر إلى اندفاع أطراف إقليمية نحو تصفية حسابات مؤجلة أو تعديل موازين قوة قديمة تحت غطاء الأزمة القائمة. ومع تراكم هذه العوامل تتحول الحرب من صراع محدود إلى عملية إعادة ترتيب تدريجي لخريطة النفوذ في الإقليم.
في هذا السياق يبرز طرح يتردد في عدد من الدوائر الاستراتيجية حول إعادة هندسة الشرق الأوسط عبر نظام إقليمي جديد يقوم على مجموعة من الدول المستقرة سياسيًا واقتصاديًا، ترتبط بشبكات المصالح العالمية، وتتحرك ضمن منطق براغماتي يخفف من مركزية الصراع الأيديولوجي التقليدي مع إسرائيل. ويُنظر في هذا التصور إلى إسرائيل بوصفها مركزًا تكنولوجيًا وأمنيًا واقتصاديًا قادرًا على لعب دور محوري في منظومة إقليمية تقوم على المصالح والاندماج الاقتصادي.
بهذا المعنى لا يصبح الصراع مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف محددة، بل يدخل في سياق أوسع تتقاطع فيه حسابات القوى الكبرى، وضغوط الجماعات الأيديولوجية، وتطلعات بعض الفاعلين الإقليميين إلى إعادة تشكيل النظام السياسي للشرق الأوسط.
الخاتمة: حدود استراتيجية الفوضى وآفاق الصراع
تكشف القراءة الشاملة لمسار التصعيد في الشرق الأوسط أن تحويل الفوضى إلى أداة ضغط يمنح الدولة التي تتعرض لضغط عسكري قدرة على توسيع دائرة الكلفة على خصومها وإرباك بيئتهم الاستراتيجية. غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في بنيتها قدرًا من المخاطر على من يستخدمها بقدر ما تحمل من أدوات تأثير على الآخرين. فكل اضطراب في الممرات البحرية أو أسواق الطاقة يدفع الدول الإقليمية إلى إعادة تقييم موقعها الأمني، ويزيد من ميلها إلى التنسيق في مواجهة ما يُنظر إليه بوصفه مصدرًا لعدم الاستقرار. ومع تراكم هذه الإدراكات يتشكل تدريجيًا مناخ سياسي إقليمي أقل قابلية لاستيعاب النفوذ الإيراني وأكثر استعدادًا للانخراط في ترتيبات أمنية مضادة له.
ولا تتوقف آثار هذا المسار عند البيئة الإقليمية. فوفقًا لقراءات علم النفس السياسي، تميل الصراعات الممتدة إلى إحداث تآكل تدريجي في التماسك الإدراكي داخل الدول المنخرطة فيها. في البدايات قد يولد التوتر شعورًا بالتضامن الوطني، ثم تتقدم مع الزمن مشاعر الإرهاق والإحباط نتيجة الضغوط الاقتصادية والعسكرية وتراجع آفاق الاستقرار. تتجلى هذه الضغوط في المجتمع الذي يواجه أعباء المعيشة والعزلة الاقتصادية، وفي المؤسسة العسكرية التي تتحمل كلفة الاستنزاف، وفي النخب السياسية التي تجد نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة كلما طال أمد الأزمة.
ضمن هذا السياق تبدو معادلة الردع بكلفة الفوضى قادرة على تحقيق مكاسب تكتيكية في المدى القصير، بينما تفتح في المدى الأبعد مسارًا أكثر تعقيدًا للصراع. فكل توسع في دائرة الاضطراب يزيد احتمالات دخول قوى جديدة لحماية مصالحها أو إعادة ترتيب موازين القوة في المنطقة، ويجعل الشرق الأوسط أقرب إلى مرحلة إعادة تشكيل تدريجي للنظام الإقليمي.
هكذا يتجه الصراع نحو معادلة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. ميزان القوى في هذه البيئة يتحدد بقدرة الأطراف المختلفة على إدارة الكلفة التي يفرضها التصعيد وعلى تحمّل الاضطراب الذي يولده. وفي منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية مع الانقسامات الإقليمية تبقى المفارقة قائمة: كل محاولة لاستخدام الفوضى أداةً للردع تفتح في الوقت نفسه احتمال أن تتحول تلك الفوضى إلى قوة تعيد تشكيل الإقليم كله، بما في ذلك موقع من أطلقها.









