الخنفشاري .. ظاهرة المجتمع في هذا العصر


الخنفشاري .. ظاهرة المجتمع في هذا العصر

 م. ايمن قاسم الرفاعي

يقول ربنا جل وعلا:

وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36 الإسراء)

اجتمع نفرٌ من المثقفين لدى مجلس أحدهم معروف بينهم بادعائه وتكلمه فيما يعلم وما لا يعلم لدرجة أنه لا يقول لأمر لا أعلم, فأراد صَحبُه أن يكيدوا له ويحرجوه, فبينما غادرهم قليلاً اقترح أحدهم أن يؤلفوا كلمة ليس لها أصل في الوجود أو في اللغة ويسألوه عنها, فاختار كل واحد منهم حرفاً حتى اجتمعوا على كلمة واحدة وهي (خنفشار) فأعجبوا بهذه الكلمة التي لم يسمع بها أحد من قبل, وعندما قدم صاحبهم قالوا له يا أبا فلان قد أعيانا أمر ولم نجد له إلا أنت, فتبسم مزهواً وقال: ما هو؟, فقالوا كلمة لم نعرف معناها, وهي كلمة خنفشار, فتبسم بسخرية وقال: أذاك ما أعياكم ؟!, الخنفشار نبات كثير الشوك ينبت في الصحراء!!!!, وبعد هنيهة من العجب والذهول انفجر الصحب بالضحك..

 ومنذ ذاك, أصبح ذلك الاسم مضرب المثل فيقال خنفشاري لمن يتكلم فيما لا يعلم, ويا لله ما أكثرهم في هذه الأيام, فلست بحاجة لأكثر من أن تسأل عن شيء ما حتى تجد ألف متكلم بألف جواب, فإذا قرأ الشخص معلومة اقتنصها من التلفاز أو من جريدة أو مجلة أو حتى من الانترنت أو تطرق إليها أحد أمامه أصبح ذلك الشخص منظراً في ذاك العلم كله وإن كانت المعلومة التي حصل عليها أصلاً على أساس علمي خاطئ.

فإن جلست يوماً وسألت عن حالة مرضية أعيتك من حرقة معدة أو نفخة أو أي مرض مما كثر هذه الأيام رأيت مَن حولك أصبحوا أطباء أو عطارين مهرة يشخصون حالتك ويصفون الوصفات العشبية لك, فيثني هذا على هذه العشبة وآخر على تلك, وإن كان ليعوز معظمهم التمييز بين القرع والبطيخ, ولربما استطرد البعض فوصف لك بعض الأدوية الطبية وكأن ابن سينا قد خلق من جديد في جسد هذا الشخص, والأسوء من هذا أن تجد أذن تصغي لهذا الهذر وتقوم بما تسمع فتكون الطامة الكبرى قد وقعت عليها, أو لعلك جلست في أحد الأيام مع صحبة لك تتناقشون فيما تتداوله الأخبار – ولكم هذا طيب – فكان الموضوع عن الأزمة المالية العالمية, عندها ستظهر المعجزات وستبنى النظريات الاقتصادية الحديثة التي تحل مشاكل العالم الحالي – التي أعيت علماءه – من أناس أعيتهم قروض البنوك وفوائدها, ولربما أخذت تطرق سمعك مصطلحات كالتضخم والرهن العقاري .. الخ, والحلول الناجعة لهذه الظواهر من أشخاص لو طلبت منهم أن يكتبوا هذه الكلمات لترددوا كثيراً خوفاً من أن يقعوا في خطأ إملائي يعاب عليهم.

ومما يلفت الانتباه أن تجلس مع شخص بسيط نصيبه من العلم بضع سنوات من الرسوب في الثانوية العامة أو شهادة جامعية يجهل حتى اسمها, لينشأ هذا الشخص يحدثك عن مشاكل المجتمع والإدارات والوزارات –  وهو أمر محمود إن صدق الوصف وخلصت النية – وأنه لو كان مديراً عاماً أو وزيراً لحل كل هذه المشاكل بجرة قلم, فإن سألت عن سر جرة القلم هذه سمعت العُجاب إي والله…

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:

(سيأتي على الناس سنون خداعات.. يُصدَّقُ الكاذب ويُكذَّبُ الصادق ويُخوَّنُ الأمين ويُؤمَّنُ الخائن ويًنطقُ الرويبظة) صححه الألباني (السلسلة الصحيحة 4 / 508), الرويبظة: هو الرجل السفيه يتكلم في أمر العامة.

ولعل أقسى هذه الظواهر على القلب, أن تجد سواد هذه الأمة يفتي في المسائل الدينية, فالدين أسهل ما يتكلم فيه, ولا تجد من يتورع عن الفتيا إلا من رحم ربي, فلكم طلقت نساء بفتية جاهل ولكم أبيحت محرمات وحرمت مباحات برأي متسلق للعلم خنفشاري, ولكم فُسِّرت آيات من كتاب الله ممن لا يحفظ منه إلا الفاتحة ولعله تلعثم فيها.

وإنني هنا لا أقدم لفكرة هي ضد الحوارات الثقافية والجلسات الحوارية الهادفة بين الأصحاب أو العامة أو حتى الخاصة, على العكس تماماً, فإن هذه الأمة بحاجة لجيل واعي مثقف ينهض بركب الأمة ويستأنف مسيرة توقفت منذ زمن فتخلفت عن الركب الحضاري, بحاجة لجيل يشخص مواطن المرض بعقل وعلم ويصف الدواء الناجع بخبرة واقتدار, لكن دون استخفاف بعقول المحيطين ودون تألي على العلم والمعرفة, فإن أردت أن أظهر للناس أني مارد ليس علي أن ألبس ثوباً أكبر بكثير مني, فلكم سيكون مظهري مضحكاً لأن ذلك سيسيء لي ويظهرني قزماً في عين الناس على عكس ما اشتهيت, فإن كانت لدي معرفة متواضعة في أي مجال حرصت عليها ونميتها وأثريتها بالمطالعة والسؤال لأهل العلم, ورحم الله حكيماً حين سئل: كيف حزت العلم, أجاب: بلسان سؤول وقلب عقول.

فمن غير اللائق أن يتكلم المرء فيما لا يعلم لأنه يسيء لنفسه ويحط من قدر من يسمعه, ورضي الله عن الفاروق حيث قال: لا أزال أهاب الرجل حتى يتكلم، فإن تكلم عرفته , إن جهلنا بمسألة أو عدة مسائل في الحياة أمر طبيعي فالعلم بحر وما نالت البشرية منه إلا قطرة فما الضير إن كان نصيبنا قطيرة, فلا يغرينا حب الظهور وفتنة الحديث في المجالس إن حبانا الله بعض العلم أن نخوض فيما لا نعلم لأن هناك من يعلم في هذا المجلس فتتغير نظرته ويذهب احترامه لنا, وهناك العليم فوق كل علم حيث أنا موقوفون عنده للسؤال ويا لذاك السؤال الذي لن يترك شيء فعلناه أو قلناه.

فلكم هو جميل أن نجعل قصر رداء معرفتنا سبب وحافز لإطالة هذا الرداء بجد الإطلاع, لا سبب في خلعه وتعرية أنفسنا وارتداءنا ثوباً ليس لنا فنفقد احترام عزيز أو صديق.

الدوحة – 01/12/2008

Posted on 23 مايو 2013, in مقالة, مجتمع and tagged , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

شارك بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: