العربيزية .. إلى أين…؟

م. ايمن قاسم الرفاعي ض

 

شعراء هذا اليوم صنف ثالث               فالقول فوضى والكلام ضباب

يتكلمون من الفراغ فما هـم                عجـمٌ إذا نطقوا ولا أعـراب

هل حصر قباني في أبياته هذه ظاهرة تشويه العربية بالشعراء وحدهم ؟, أم أنه كان يشير إلى العرب كافة ولكن خص الشعراء منهم على اعتبارهم الشريحة الأكثر عناية بالعربية, فإذا كانت هذه الشريحة قد أضاعت لغتها فلنا أن نتخيل حال بقية الأعراب, فمن المؤسف حقاً, أنه لا يكاد ينجو أي منا من وباء هذه الظاهرة الدخيلة على الأمة العربية (العربيزية) حيث تتمازج الألفاظ ما بين العربية والإنكليزية وتتشوه المعاني وتتيه العبارات فتعجز عن معرفة لأي الألسن تنسب مثل تلك العبارات, وكثيراً ما يوغل البعض في ذلك ويتشدق باستخدام المصطلحات الانكليزية مع إخوانه وأبناء جلدته فالفخر – في هذه الأيام – لمن كانت مفرداته الانكليزية أكثر غرابة, والذي لربما عازه في كثير من الأحيان إيجاد المرادف العربي لكلمة عبر عنها بالانكليزية فيومي بالمساعدة التي يهب لها الجميع, كل ذلك لاصطناع هالة ثقافية وهمية ولاستعراض عضلات الثقافة الرخوة ظناً منه أنه بذلك يكمل حالة النقص التي تعاني منها نفسه أو يعوض بتلك الكلمات –  والتي في كثير من الأحيان يوظفها التوظيف الخاطئ – المعنى المفقود داخل مفرداته الركيكة الخاوية إلا من جهله, ولكن السواد الأعظم من الناس هم ضحية ظاهرة قلدوها بغير وعي وسلكوا طريقها بغير هدى, وهو شأننا وشأن كثير ممن نحب ونعرف إذ أننا دائماً ما يجرفنا تيار التقليد الأعمى دون أيما تبصر منا غير مكترثين لآثار هذا التقليد أو متمعنين في ماهيته, لكنه ومن الإنصاف أن نقف عند أهل العلم الذين يستخدمون بعض المصطلحات الانكليزية العلمية في حواراتهم ومحاضراتهم, إذ أن هذا الأمر لا يقع ضمن دائرة ما قصدناه, لأنه أمر يفرضه التطور العلمي للغرب صاحب الأحقية بابتداع المصطلحات التي تتواءم مع لغته وإن كان يخجلنا ما وصلنا إليه من تبعية مطلقة.

 ومما يؤلم القلب أكثر, أنك لا تجد هذه الظاهرة إلا في مجتمعاتنا العربية, فكل الأمم الأخرى تعتز وتفتخر بلغتها ولا تقحم فيها أي مفردات غريبة عنها, ولعل الذين يجوبون العالم يلاحظون هذا الأمر فحتى لو طال استماعهم لحديث بين اثنين من هذه الشعوب لن يستطيع أن يميز كلمة يفهمها من أي لغةٍ أخرى إن كان جاهلاً بلغتهم, ولكم يعاني مسافرونا أحياناً في التواصل مع بعض شعوب البلدان غير الناطقة بالانكليزية لرفض هذه الشعوب التكلم بالانكليزية في بلدهم رغم معرفتهم بها من باب الاعتزاز بلغتهم وفرضها على الآخرين باحترامهم لها, فإلى متى ستبقى هذه العقدة (عقدة الخواجا) مزروعة في نفوسنا تقودنا في مسالك التقليد الأعمى؟, وإلى متى تستخدم سعة اللغة العربية في تقبل الآخر والانفتاح على الغير وسيلة لتغريبها وتشويهها بين أبنائها؟.

وما سيق هذا المقال من باب الخوف على العربية من الضياع – حاشا وكلا – فلقد كفلها المولى عز وجل بالحفظ من خلال كلامه العزيز في حفظ قرآنه الكريم (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ / 9 الحجر), ولكن خوفاً على الأعراب من التيه وفقدان الهوية والاستمرار في الانحدار بين الأمم في شتى المجالات, متخذين من سلم التقليد مطيّة الارتقاء بين هذه الأمم متناسيين ومتجاهلين أن لا مطيّة للعلا إلا على صهوة جواد الذات المبدعة لا المقلدة, ولعل ما جال بين السطور هو دعوة لكل منبر ومنتدى وهيئة تعنى بالتعليم والثقافة في مجتمعنا العربي إلى التنبه وإيقاظ حرف الضاد من غفلته التي بدأ يكابد شقوتها بين أبنائه, بالانتصار لهذه اللغة والتي هي التعبير الأول عن هويتنا والمفتاح الأوحد لباب المجد الذي أوصدناه بأيدينا.

الدوحة 1/2/2009م

 

شارك بتعليقك

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: