بنو الإنسان وأبناء الدُمى


بنو الإنسان وأبناء الدُمى

م. ايمن قاسم الرفاعي

تُطالعنا الأخبار كلَّ لحظةٍ بما تَسيل له الدموعُ من الألم حزنًا وحُرقةً، وتُقرَّض له الشفاهُ من الغيظِ أسفًا وحسرةً، أحداث عَلِمها الجاهل وفهِمَها الأخرق، وسمع بها الأصمُّ، ولامَسَت بصيرةَ الكفيف، فهوْل المآسي وفظاعة الأحْداث تُجاوزُ حدودَ الوعْي والمنطق، وتَخرقُ قيود الحسِّ والإدراك، ومن فضْل الله أن بقِي بعضٌ من بعضِنا يتقلْقَل لهذه الأخبار وتثور ثائرةُ صمتِه بكاءً وعويلاً لتلك الأهوال، فلطالَما خُيِّل لنا أنَّنا قد استحلْنا دُمًى تُشْبِه الإنسان وليست بإنسان، وتسكُنُها الحياة وهي من الأموات بمكان، شيء من بعض رُفات الطَّبيعة غلَّفته بفعل الذُّلّ والاستكانة طبقةٌ من الرَّماد، لا تعرف للحرارة معنًى وليس إليه سبيل.

فلو أجَلْتَ العين على خارطة العالَم فوق الوطَن الكبير الَّذي ننتَمي إليه بالدَّم والاعتِقاد، لرأيت في كلِّ شلْوٍ منه دمًا مسفوحًا، وفي كلِّ ركن فيه بيتًا مهدومًا، ولرأيتَ أطفالاً يتامى مشرَّدين ومذْبوحين، ونساءً ثكالى مقتَّلات، وأخرياتٍ هُتكت أعراضهنَّ عشرات المرَّات، وشيوخًا يلومون الموت الَّذي قد أخَّر لقاءهُ بِهم ليذوقوا من دونه ما هو أمرُّ منْه، فيتجرعوا المِيتة مِيتات، ومن دونِهم أو فوقهم شبابٌ ذاقوا من الدُّنيا ما لم يَخطر ببال أشدِّ الشياطين تطرفًا وساديِّة، ففتْك وتعْذيب وسحق ولواط، وخنق وشنق ومقارض وأسواط، والفاعل الأوْحد لهذا كله هو الإنسان، إنسان الحرّيَّة والديمقراطيَّة، راعي حقوق الإنسان وحماية الحيوان، والَّذي إن شاكَ فردًا من أمَّته شوكةً أشار إليْنا بإصبع الإرهاب، فهل إنسانُهم إنسان، وإنسانُنا دمًى وألعاب؟!

والحال هو الحال عند عكس الفِعال، فترى الأحرارَ من بني الإنسان يتنادَون، يستنهضون، يحتجُّون، يتظاهرون، ويقدِّمون يد العون لمن كان أبناء جلدتهم سببًا في بؤسِهم وظلمهم وقتْلهم، فيناصرون المظلومين، حتَّى لو وَضَع في طريقِهم العراقيل إخوانُهم ممَّن هم أوْلى بنصرة الضحيَّة وأغنى عن الجلاد منهم، فما النَّائب البريطاني غالوي، واللورد الكفيف كولن لو، والقاضي اليهودي غولدستون، وغيرهم ممَّن رافقهم أو نَهج نهجهم في نصْرة غزَّة، وأطفال ونساء وشيوخ غزَّة – إلاَّ نماذج حيَّة من بني الإنسان أنصفت وساندتْ وتحرَّكت، وأبَت أن تقفَ مكتوفةَ الأيْدي أمام ما يُراق من دماء، وما يُقْتَرف من عهْرٍ سياسي وعسكري، أبتْ فيهم إنسانيَّتهم الحقَّة وضمائرهم الحرَّة أن يَلوذوا بالصَّمت، وجالت بصائرُهم على ما أعْمى عنه غيرُهم بصيرتَه، وكشف طهرُ نواياهم ورقة التوت الَّتي وارى بها غيرُهم سوءته، ولا ضيرَ إن كان لبعضِهم أدوار من عمل مبتذل في الحياة في أن نقِف منصِفين لمثْل هذا الفعل، ومقدِّرين لتلك الرُّوح الإنسانيَّة، والَّتي إن جرَّدتها من قشورها المشوَّهة والفاسدة أعطتْك أعذب الثمار، فعل أمثال هؤلاء يستحقُّ كلَّ احترام.

لكن السؤال وغاية المقال: هل اقتدى المبتذلون من فنَّانينا ومشاهيرنا وسياسيِّينا بهؤلاء اقتداءَهم بهم في الموضة والبذخ والتَّرف، والدلال وتربية الكلاب؟! هل ساندوا؟! هل بذلوا؟! هل زاروا؟! هل نصروا؟! أم هل هم موجودون أصلاً إلاَّ في ميادين وساحة الابتِذال والمجون؟  }هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا{ (مريم: 98)
والأهم: أين نحن جميعًا وسائر مجتمعاتِنا من إخوتِنا، أُولاء المعذَّبين هنا وهناك؟! هل ضمَّدنا لهم جرحًا، أو أصلحنا لهم بيتًا، أو حتَّى أقمْنا فيه حجرًا؟! هل واسيْنا ثكلى، أم سترنا عرضًا، أو حتَّى مددنا يدًا فأعنَّا شيخًا أو رعينا فتًى؟! أم أنَّه ما كان منَّا إلاَّ مَن مدَّ يد الخيانة، فكانت للقتلة خير مُعين، أو مَن طوق يده بالأصْفاد ولا أقْفال وندب العجز وقدَّس جلال صمت النَّكبة بالبكاء والأنين، فأي بشر هم؟ من لحم ودمٍ؟! وأي دُمًى نحن؟ من ماء وطين؟! أبَوا إلا أن يكونوا الإنسان السيِّد فكانوا، ورضِينا أن نكون الدُّمية المنقادة المهانة فصِرْنا، فهل يصحُّ فينا قول عمْرو بن معدِي كَرِب:

لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا        وَلَكِنْ لا حَيَاةَ  لِمَنْ  تُنَادِي
وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ        وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي  الرَّمَادِ

ما كانَ هذا حديثًا باعثًا لتثبيط الهِمَم وجلْد الذَّات، وإنَّما هو صرخةٌ تَجاوزت حدود القوْل ووقفة مع النَّفس لا بدَّ لنا أن نَقِفَها، فاللَّيل مجلوٌّ والصبح آتٍ، والحياة ستدبُّ في جسد ذاك المارد الخَدر، الَّذي ما فتئ يتملْمل من جهود صحيحة تبذل هنا وهناك، وسواعد وعقول تجتهد لكنَّها ما زالت عاجزةً عن بعْث الرُّوح وإطلاق الحياة، فالمهمُّ هنا: أين سنكون أنا وأنت والآخر من هذه الصَّحوة؟ هل سنعجِّل بقدومِها لنعيش معها حالة الإنسان السيِّد؟ أم أنَّنا سنكون العصا التي تعوق سيرَ عجلتها وجلَّ حُلمها أن تتشكَّل دميةً منقادةً؟!

19.01.2010

رابط نشر المقال على موقع الألوكة

http://www.alukah.net/Culture/0/9496/

Posted on 23 مايو 2013, in مقالة, مجتمع and tagged . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

شارك بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: