لو كنتُ مسؤولاً، كلمةُ حقٍ أم تجن؟


لو كنتُ مسؤولاً، كلمةُ حقٍ أم تجن؟

م. ايمن قاسم الرفاعي

يا لكثْرَةِ ما نقرأ ونسمع هذه العبارة!؟، فقد باتت حديث من يقدر ومن لا يقدر، ومن يعلم ومن لا يعلم، حتى سفهاء القوم باتوا يخوضون في هذا الطرح عن مطلق قناعة بالأهلية التامة لتولي الأمور العامة. حدث مرةً ونحن نناقش إحدى قضايا العمل أن انبرى شخصٌ ممن يشاركنا العمل بجسمه دون عقله، حيث لم يَمنَّ اللهُ عليه بسعة فكرٍ أو حتى يسير وعيٍ وإدراك، أن بدأ يفتي في هذه القضية وتلك وأن حلوله على هذه الشاكلة وأنه لو كان مديراً أو مسؤولاً رفيع المستوى لفعل وترك ورفع وحط، كلامٌ من فارغ القول رحت اسرح عنه مترفعاً عن لغطهِ متفكراً في كُنههِ، متسائلاً لماذا بات يتجرأ على القيادة والمسؤولية كلُّ من هبَّ ودبَّ وصغُر وكبُر؟، هل هو جهل الناس وتوهمهم علماً ليس فيهم؟، أم هو التجني ونزعةُ الرياسةِ وفتنةُ السلطة؟، أم هو ذاك حيث فسدت الذمم وهانت المناصب والمسؤوليات عندما تولاها قَبيلَ ذاك الرجلِ غير المناسب؟، والحقيقة، أن المتمعِّنَ في الأمر يرى أن السبب هو مزيج من ذاك بل قل جلَّه، فالجهل والتجني والفساد، هو ما صنع هذه الظاهرة وأطلق العَنان لتلك العبارة.

فالجهل، والمتمثل هاهنا بظاهرة الرجل الخنفشاري التي باتت سمةً من سمات هذه الأيام، وهو إدعاء العلم بكل شيء، ما هي إلا انعكاس نفسي لحالة النقص التي خُلِقَتْ لدى أشباه المثقفين ومن هم دونهم بفعل الفضاءات المفتوحة والانترنت وسهولة تداول ونشر المعلومات، فأمام هذا الزخم المعلوماتي الهائل وهذا البحر المعرفي المتلاطم الأمواج، باتت هذه الشريحة والتي تعاني أساساً من نقصٍ معرفي وثقافي تعاني أيضاً من نقصٍ نفسي، حيث أحست نفسها بلهاء بكماء في سرب من الطيور المغردة فثقل عليها قصور لحنها فوق قصور وعيها، فأبت إلا أن تشارك ولو حتى بنشاز خارج إيقاع السرب، ولو اتفقنا أن أمثال هؤلاء قد بات كثير في مجتمعنا بل قُل سوادُه، لسهل التصور كيف أصبح إيقاع سربنا، فقد بات النشازُ هو سُلَّمه والمتشدِّقةُ هم ضَبطةُ إيقاعهِ.

وكذلك التجني، وهو في مقالنا هذا النزوع للسلطة والسيادة من غير ما أهلية،  فهو بمقامٍ من مقوماتِ مجتمعنا في السعي للنجاح كالملح من ماء البحر في سبيل الزراعة، فبرغم وفرة ماء البحر إلا أنه عقيم مجٌ فلا ينبت حباً ولا يبل كبداً، وهكذا هو المجتمع حيث يملك الطاقات والكفاءات لكنها مشوبة بنزعة السيادة من جهة، وتائهة في سعيها من جهة أخرى بين كثرة المتسلقين الوصوليين الساعين للسلطة والسيادة مهما علت درجتها أو دنت، وكأن الجميع في غفلة عن أن كل إنسان خلق لمهمة تناسبه في هذا الحياة فهي مسؤوليته وهي سلطته التي هو مسؤول عنها أمام الله وأمام الناس، وخير الناس من أتقن مهمته وراعى مسؤوليته، وما حديث الرسول كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” إلا تحقيقاً لهذا المعنى، فأبٌ رعى أسرته حق رعايتها وحفظها وصانها خير عند الله وعند البشر من حاكم فرط في رعاية دولته وسياسة شعبه. وحيث تُشتِّت تلك الكفاءات المشوبة التائهة طاقاتها وتبدد مقدراتها ومهاراتها بالشغل عن صقلها وتنميتها في البحث عن السلطة بين زحمة أولئك المتسلقين، يصبح المجتمع عقيماً فلا مديراً كفؤ عَّقلْ ولا تقنياً أو مختصاً صَّقلْ فكيف يديرُ عجلةَ تقدمٍ أو يضع حجرَ تطورٍ، ولا نغفل أيضاً أن هذا الشغل الشاغل للسعي نحو أن يكون الفرد مسؤولاً ما كان في غالبه إلا للانتشاء بمعاقرة كأس السيادة والتجبر فوق كرسي السلطة، ولكم اجتاحتنا السماحة فاعتبرنا أساليبه التي في غالبها ملتوية أنها بريئة لو كانت رغبته الحقة لخدمة لتلك السيادة ولرعاية لتلك السلطة.

وأما الفساد، والذي لعله أخطر هذه الأسباب وأبرزها، فأطلق العنان للقلم وابسط الجناح للخيال، فو الله ما عَقِلهُ عاقلٌ ولا قبلهُ جاهل، فقد تعددت صوره وتنوعت أساليبه وتطورت ممارساته، فيا ليته كان علماً لكسبنا به سبقاً علمياً قد ننافس العالم فيه، أو يا ليته كان فناً لأضفنا إلى المكتبة العالمية مدرسة جديدة لخزانة الفن الهابط، لقد تغلغل في كل شرايين الحياة حتى غدا ثقافة مجتمع ونهج أمة، والكد كل الكد في ترسيخه ونشره لا في تقويضه وبتره، وذلك بوجود تلك الأيادي المندسة في مجتمعاتنا من الخارج والمتنفذة فيها من الداخل، والتي غايتها نشره بكل السبل وترسيخه بشتى الأثمان لأنه السلاح الذي يوفر عليها مختلف الأسلحة الأخرى لضمان السيطرة ودفن النهضة، لذا باتت الشعوب التي دجِّنت على ذلك تأخذ بالشبهة كل مسؤول حتى لو كان -على استحياء من اللفظ- براء، ففقدت المناصب هيبتها وخسرت مراكز الإدارة ثقة الناس بها، لأنهم تجرعوا أثر هذا الفساد في حليب الأطفال، وذاقوا طعمه في رغيف الخبز فكيف يمنحوا بعد ذلك ثقةً او يبدو احتراماً، بل على العكس ستصبح هذه المسؤوليات الحلم الوردي للجهلة والمتسلقين وضعاف النفوس، فيتجرؤون على ما ليس هم له بأهل ويطالبون بما ليس هو لهم بحق، والغاية التي تبرر كل وسيلة هي الفوز بالمنصب للاستغلال لا للاشتغال وللنهب والسلب لا للدأب والوهب، فلا عدالة حتى تكون الأهلية والكفاءة هي المقياس ولا حياء حتى يكون الصيت والسمعة هما الأساس.

وخلاصة القول، ليست القضية في تلك العبارة وقائلها وإنما في ما وراءها ودوافعها، فما كانت هذه العبارة لتحل قضية أساساً أو لتصلح شأناً هذا إن وجدت أذناً تصغي إليها، فلو اشتغل كل منا بنفسه ومسؤولياته عن الناس ومسؤولياتهم، وأصلح من شأنه ورعيته التي استرعاه الله، لصلح عامة المجتمع ولو صلح العامة لصلح الخاصة بصلاح العامة، ولو تحولنا إلى أنفسنا مرةً بسبابة الاتهام التي اعتدنا الإشارة بها للآخر لكفينا أنفسنا أصابع اتهام الآخرين، ولو وقفنا على حقيقتنا وبذلنا الجهد لإبراز مهاراتنا وصقلها ولعب دورنا في المجتمع الذي يتناسب وقدراتنا، وحاولنا أن نفعل وننفعل بمن حولنا لكُفينا عن التفوه بتلك العبارة بالشغل المفيد والذي سيقودنا في النهاية لتحقيقها دون قولها، ولا نقول أن النقد البناء هو حالة سلبية يجب الإقلاع عنها، لا ولكن لا يصح أن ننتقد الآخرين ونحن أحق بالنقد منهم ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ” (الصف 2) فلم لا نمارس هذه العبارة أولاً على أنفسنا لإصلاح ما بها وتوجيهها،  بعدها إن بقي حال المجتمع على ما هو عليه نطقنا بها في مكانها، فلا يلومنا عاقل ولا يجرِّح بنا جاهل، لأننا كفينا أنفسنا تصحيح معايبها وحق لنا عندها كفاية المجتمع تشخيص معايبه، وبذلك نقي أنفسنا أن نكون ممن قال فيهم الشافعي:

نعيب زماننا والعيب فينا       وما لزماننا عيب سوانا

ونهجو ذا الزمان بغير ذنب   ولو نطق الزمان لنا هجانا

 

 

 

رابط نشر المقال على موقع “الألوكة”

http://www.alukah.net/Social/0/9666/

Posted on 23 مايو 2013, in مقالة, مجتمع and tagged . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

شارك بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: