أي جديد تحمله فتوى علماء المسلمين بالجهاد إلى


أي جديد تحمله فتوى علماء المسلمين بالجهاد إلى سوريا؟

ايمن قاسم الرفاعي

14/06/2013م

1000051_10152904235270314_79743626_n(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) هذه الآية 39 من سورة الحج لم تنزَّل بالأمس بل هي موجودة في القرآن يوم تنزَّل على محمد صلى الله عليه وسلم، وحديث أبو داوود الذي رواه عن جابر وأبي طلحة هو قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم قيل منذ 14 قرناً، فبأي جديد أتت فتوى علماء الأمة المجتمعين في القاهرة بالأمس إلى الشعب السوري.

مع التقدير والاحترام العالي الذي نكنه لعلمائنا المبجلين عامة وللمجتمعين منهم بالقاهرة أمس خاصة، والتقدير المعنوي للبيان الذي أصدروه والفتوى التي أعلنت بالأمس بوجوب الجهاد بكافة أشكاله في أرض الشام، إلا أنه علينا التوقف عند الذي جرى بالأمس والنظر إليه بشيء من البعد عن الانجراف العاطفي الديني أو الانسياق بدوافع الرغبة بالنصر، بشكل تضخيم لا يخدم القضية وتهويل قد يضر بها، ونحتاج إلى إمعان العقل قليلاً وتسمية الأشياء بمسمياتها.

إن الفتوى كانت بالمجمل موجهة لعموم المسلمين وإن حملت على استحياء بعض التخصيص لحكام المسلمين، إلا أنها وبكل أسف أتت متأخرة أشهر عديدة بل سنوات عن الموقف المتقدم لمعظم الشعوب العربية والمسلمة وبعض علمائها، وهو ما يقر بها المجتمعون أنفسهم، فليس من راغب في الجهاد مؤمن به ومتحمس له سواء بالمال أو النفس إلا وقد قال كلمته في هذا الشأن قبل ذلك بكثير وأفتى لنفسه هذا إن لم يكن مفتيه أحد العلماء الذين اجتمعوا بالأمس.

إن الجلي الذي لا يقبل نقاش، هو أن سوريا لا تريد بيانات ولا إعلانات فلقد ناءت الذاكرة وصفحات النت والتلفزة بها حتى عجر عن تذكرها فضلاً عن إحصائها، حتى وإن كانت متصلة بالجهاد والدعم لها وهو ما مهد به (الشيخ محمد حسان) نفسه قبل تلاوته البيان، فالموقف على الأرض متقدم جداً عن مثل هذه الخطوة المتأخرة كثيراً، هذا بالاضافة إلى وعي الغالبية أنه (ما هكذا تورد الإبل) فبرغم تقدير الجميع لمثل هذا الإعلان إلا أن تأثيره محدود جداً  لأن من كان يرديد الجهاد فقد فعل إما بالمال أو بالنفس، وما تبقى إلا الغالبية التي لا تقيم وزناً لقول عالم او فتيا مفتي، ولا أظن الفتاوى التي أطلقت بشان أفغانستان وغزة والعراق وسواها منا ببعيد ولا ما ما آلت إليه عنا بخفي.

إن ما تحتاج إليه سوريا هو موقف موحد ومنظم وحاسم يقلب المعادلة ويدفع الأمور على الأرض نحو الأمام، ومثل هذا الموقف لا يتأتى إلا من مواقف الدول والحكومات حصرياً، وكنت ساكون اكثر تفاؤلاً فيما لو وجهت الفتوى لحكام المسلمين وبشكل أكثر حسماً، فقد أثبتت التجربة وللأسف ضعف الشعوب العربية والاسلامية عن التأثير بشكل فاعل في القضايا العامة المتعلقة بالأمة، في حين تنصب قدرتها على الذهاب بعيداً في القضايا الوطنية او المجتمعية الخاصة، وذلك لسهولة الالتفاف على هذه الشعوب في القضايا العامة وخلق الشقاق بينها في هذه المواقف، وكذلك لتمكن روح اليأس والهزيمة من النفوس والعجز عن إحداث أي تطور حقيقي يقيم للأمة قائمة على المدى المنظور اللهم إلا في الأماني والنبوءات التي تجمَّل بها الأحاديث والمحاضرات والبيانات وتكاد تخلو منها الأفعال.

ولعلي أتفرس في وجوه حكام العرب قبل غيرهم من حكام العالم الاسلامي لأرى الانشراح وانبساط القسمات بعد هذا الاعلان وذلك أن تأثيره سيصب في مصالحهم الشخصية الحزبية الضيقة من زاويتين اثنتين:

الزوية الأولى، هو أن مثل هذه الفتوى ستأتي على من تبقى من أبناء أوطانهم من الشباب المتحمس للجهاد والذي لم يذهب بعد للجهاد في سوريا فيتم بذلك عملية احصائية ذاتية وتتطهير تلقائي (بحسب توصيفهم) لكل الأشخاص من حملة الأفكار الجهادية الذين يجعلون الحكام يتقلبون على صفيح ساخن حين تقوم لهم قائمة نشاط في بلادهم.

والزاوية الثانية، هي عملية التفريغ النفسي لشعوبهم من الناقمين على صمت الأنظمة تجاه المجازر التي ترتكب بحق إخوتهم في سوريا من جهة، والاستثمار السياسي والاعلامي بتصريحات غير رسمية وبشكل تسريبات عن الدعم الذي ستلقاه هذه الدعوة من قبل الأنظمة والتحركات السرية والهامة على اعلى المستويات لتغيير هذا الواقع نتيجة لعجز المجتمع الدولي والسياسة الرسمية عن اتخاذ اي موقف حاسم من قبل، ومثل هذه التسريبات والمناورات السياسية يجيدها السياسيون بكل فخر وتأخذ الكثير من اهتمام الشارع العربي وتحليلاته وآماله بكل اسف.

وكلنا سمع بالأمس (تسريبات) عن تحركات نشطة في المنطقة سواء لسياسيين يزورون الدول العظمى أو قطع زعيم عربي لإجازته وعودته للبلاد، أو تحركات مريبة وغير مفهومة على الأرض في القطع العسكرية، أو تطور نوعي على مواقف كل من روسيا وأمريكيا وبعض دول أوربا، كل تلك الأخبار والتي صدرت بالجملة بعد الفتوى، جعلت الناس أحد اثنين، إما مأخوذ بالفتوى وبحالة النشوى التي أصابته وقوة هذا الموقف الذي أدى إلى كل هذه التغيرات على الأرض وفرض واقع جديد نتيجة خوف الغرب والشرق من تأثير هذه الفتوى، وإما مشكك في اجتماع العلماء ولربما اشركهم في المؤامرة خاصة وأن التصريحات الأمريكية جاءت بالتوازي مع اجتماعهم المتاخر كثيراً، ولا أرى إلى أن كلا الموقفين يعتريه القصور في قراءة المشهد من جهة وفهم طبيعة العلاقات السياسية والتعقيدات القائمة على الأرض والتي تحكمها عملية تنازع وتقاطع المصالح لدول العالم والمنطقة على الأرض السورية وأرض المنطقة برمتها.

فالسياسة محكومة باتفاقات وتفاهمات على تقاسم المصالح على الأرض كل بحسب قوة موقفه وسطوته ومنعة استراتيجة العمل التي يتبناها، ولعل الاتفاقية السرية التي تمت بين كل من كيري ولا فروف إبان إطلاق مبادرة مؤتمر جنيف 2 والتي لم يرشح عنها إلا الندر اليسر، تحمل في طياتها الأبعاد الحقيقية لما يجري وسيجري على الأرض. ولا أقول أن دول العالم لا تهتم بمثل هكذا فتوى من هكذا تجمع كبير لعلماء الأمة أبدا، ولكنهم يقرأون هكذا تطورات بشكل عملي أكبر ويعملون على استثمار هذا الموقف أو افراغه من مضمونه بحسب أهميته وموقعه من حساباتهم.

وفي ضوء ذلك يمكن قراءة المواقف الدولية الأخيرة التي رشحت عن الدول العظمى وأظهرت لنا بشكل قوي ما ينبئ عن تحرك كبير سيؤدي إلى حسم الأمر، ولكن للاسف وكما العادة مافتئت هذه التصريحات إما ان أعيد إطلاقها بشكل أقل قوة وحسم أو تفسيرها على نحو مغاير لما فهمت عليه، وإن كانت أقوى تلك التصريحات الرسمية هي ما اتحفنا به الرئيس اوباما بالتزامن مع هذا البيان، إذ خرج لنا ببشرى ولادة الجنين الذي طال ارتقابه بقرار التدخل في الشأن السوري بشكل حاسم، بعد حمل عسر كابدته إدارته المصون لأكثر من عامين تقريباً مذ بشرتنا هيليري بنفسها بالحمل الذي وقع في رحم الإدارة الأمريكية حيال تسوية القضية السورية، ولكن بكل أسف لا نرى هذا الوليد إلا وقد ولد بشلل أطفال وتشوه خلقي، فأخرق من يقرأ أي موقف أمريكي بعيداً عن المصالح الأمريكية والاسرائيلية، ومثقوب الذاكرة من يبني آراءه دون قراءة ما كان من مواقف عبر التاريخ البعيد والقريب تجتمع استراتيجياً مع الوضع القائم.

في النهاية، لا أظن ان فتوى علماء المسلمين ستقدم للقضية السورية إن أريد لها ذلك إلا أمرين اثنين، أحدهما إيجابي والآخر سلبي:

الإيجابي، هو الذهاب بعيداً حيال محاربة إيران شعبياً وحكومياً على الصعيد الداخلي في الدول العربية والإسلامية من خلال المقاطعة الشعبية والاقتصادية وحتى الدبلوماسية بحسب ما جاء به البيان، ولكن ذلك لن يتم إلا إذا تبنى ذلك فريق عمل منظم من قبل العلماء أنفسهم يعمل بشكل منهجي لتحقيق ذلك على الأرض واستخدام كل سبل الضغط والتأثير لتحقيق ذلك الأمر الذي سيكون له تأثير جوهري على التمدد الإيراني والحلم الإمبراطوري لها، مما سيضطر العالم لإعادة حساباته وترتيب أوراقه من جديد.

السلبي، هو تحول هذه الفتوى إلى ورقة إضافية تدفع المنطقة إلى السيناريو الأخير الذي تحمله دول العالم للمنطقة بخلق حرب إقليمة طائفية شاملة تعيد رسم خاطة المنطقة السياسية بشكل يخدم مصالح إسرائيل والدول العظمى وبعض دول المنطقة بشكل أكبر مما هو عليه، سواء من حيث إعادة توزيع مصادر الثروة أو من حيث خلق مناخ جيوسياسي جديد يستند إلى تشكيل دول وأنظمة ثيوقراطية ترسخ الفرقة والتجزئة وترتبط مصالحياً بشكل أوثق بالدول العظمى وتحمي وجود إسرائيل وتشرع وجودها كدولة يهودية.

Posted on 16 يونيو 2013, in مقالة, الثورة السورية, سياسة and tagged , , , . Bookmark the permalink. تعليق واحد.

  1. تحليل متشائم بشكل كبير، إن الله على كل شيء قدير وليس الدول العظمى على كل شيء قدير

شارك بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: