نازح ويعيد..


نازح ويعيد..

1-63899

ايمن قاسم الرفاعي

(من كتاب- حين يحكي الزيزفون)

نازح“.. كلمة لطالما لسعته إبرها وأفسدت صفو حياته سياطها، رغم أن الوطن كله من خسر، إلا أنه وأهله ومن مثلهم فقط من دفع الثمن مكرراً مرات ومرات..

في حرب تشرين (التحريرية) خسر الوطن جزءاً عزيزاً من أرضه، فخسر هو وأهله بذلك ديارهم ووطن ذكرياتهم وقدراً عظيماً من حبات قلوبهم، وبفضل حكمة القيادة الرشيدة التي خانت الوطن وباعت الأرض، وبكل كبرياء دعيَّاتِ الشرف أبت هذه القيادة أن تذهب الأرض دونما ثمن، فقايضتها بضمانات تحفظ الجولان وأمن الحدود لإسرائيل، وتحفظ كرسي الحكم للقائد التاريخي الأبدي باني نهضة تخلف سوريا وناشر رخاء فسادها.

وتمر السنين ويضيع حلم العودة ويتناسى أهل “نازح بن نازح” آلام النزوح، ولكنهم قط لم ولن ينسوا ما خسروه من أرض وديار، هم فقط تعايشوا مع الواقع بفعل الفطرة الإنسانية القائمة على التكيُّف والرغبة في الحياة. نشأ نازح وأبناء جيله ومن تلاهم لم يعرفوا من ألم النزوح إلا مكابدة غصة في الحلق لاسم التصق بهم فأصبح كالوسم، لربما كان المصطلح عادلاً في حينه بأن وصف تهجيرهم عن ديارهم بالنزوح على أمل العودة إليها، لكن ذلك الاصطلاح لم تقبل عدالته نفوس البعض من أبناء وطنهم، فكان إشارة غمز ولمز مجتمعي في كثير أحيان لإنسان من الطبقة الثانية، فنظرة الشفقة القديمة تحولت الى ازدراء بشري مقيت، ومصطلح التعريف العادل تحول إلى انتقاص مجتمعي سافر.

واليوم وبعد أربعة عقود من الزمن، تتكشف همجية وفساد وتعصب نظام وسلطة تسترت خلف قناع الممانعة والمقاومة ولثام العروبة والقومية، فظهر للعالم جلياً حقد وسادية هذه العصابة المرتدية من زور الديمقراطية جبة الحاكم الشرعي، والمنتضية عصى الجيش والأمن صولجان حكم تسحق به وبمرتزقته كل معارضيها من أبناء الوطن، لتتحول سوريا الحضارة إلى وطن مهجر، ويتحول شعبها الأبي الى قوافل من النازحين.

قد يكون “نازح” عاش معاناة المصطلح طيلة حياته، لكنه لم يعش يوماً النزوح ذاته، لم يكابد الظلم والألم والإهانة التي يحياها النازح الذي يعيش حالة النزوح بتفاصيلها المريرة. عاش “نازح” وله بيت وحارة وأهل وأقارب، ملك كل أسباب الحياة من مأكل وملبس ومشرب ومسكن، لم يبلغ أن تقمص بخياله الخصب يوماً قميص من كابد تجربة النزوح، حتى وهو في أشد حالات التأثر بالصور والقصص المؤلمة التي طالما اجترتها جلساتهم العائلية، والتي كان يسرد فيها جده والأقارب حكاية النزوح كمن يقتات على الألم ليبقي على نبض الحياة في شرايين أمل الرجوع، فتراه يفيض نسغه في عروق العين دمعات حرة تنساب في أخاديد حفرها الأسى بمعاول الزمن في خدود جدته التي تساقطها لتروي بها شريط ذكرياتها المذبوحة على طريق النزوح.

لم يبلغ ماضي النزوح ذاك والمورَّث “لنازح” أن وصل بإحساسه يوماً إلى تلك الحالة من الألم والفجيعة التي تملكته وفاضت به لحظة مشاهدته عياناً مآسي نزوح العصر لأبناء بلده بامتداد وطنه على يد حماة دياره المزعومين، وكأن ذاكرة آلام النزوح المنسية التي حملتها جيناته المورثة بدأت تلقي بحملها في تيار الدم الذي يفور حنقاً وغضباً على تلك المشاهد التي شاهدها وعايشها ولم يحكيها له أحد:

جثث لثلاثة أطفال في أسمال رثة حفاة الأقدام، نهشت قلوبهم الغضة أنياب جليد مخيم الزعتري وأكلت رطب أعينهم واعتصرت ماء حياتهم آفات ورمال صحاريه.

امرأة أرملة باتت الليل ساهرة أدمى الجوع والسهر والخوف عينيها وكلت يديها اللتين تحي الليالي بهما تبعد قطرات ماء الثلج المتساقط من سقف خيمتها عن أبنائها النيام المنكمشين كخرق رطبة متجمدة تحت أغطية مبللة وفق فرش مهترئة لا تبعد من البرد بقدر ما تحتويه في مخيم أطمة للاجئين.

رجلان يتعاركان وسط جمع من النازحين على معونات التشهير الإعلامي التي تحوي من الذلة والمنة أكثر مما فيها من العون والغوث، في صراع موت من أجل الحياة ليحظى كل منهما ببعض كسرات من أرغفة تجعل شبح الموت ينزح عن أجساد أطفال تكدسوا كالجثث الجوعى للحياة.

شاب في مقتبل العمر يحبو زاحفاً في مخيم “كهاتاي” يرتاح كل بضعة امتار ليمسد فيما تبقى من ذراعيه اللتين قطعهما له جلادوه ما تبقى من رجليه التي رافقت ذراعيه المقطوعتين في رحلة العذاب في أقبية محاكم تفتيش المخابرات العسكرية.

رجل مركون على هامش حياة النازحين في عرسال لبنان، رث الهيئة ذا قسمات منعمة تختبئ خلف جراح قهره ومظاهر جنونه، يمتص نسغ الحياة من عقب سيجارة لا يلبث أن ينفث منها هباب حقده ليطالع في سحب نسجتها آهات صدره أخيلة تحمل له أطياف ثلاث صبايا، اغتصبهم شبيحة الموت والسادية أمام عينيه ثم ذبحوهن وأهدوه سوار من أزهار رمان صدورهن كتذكار من لحم بناته.

جثث نازحة ملقاة في الشوارع هربت من قدر الموت بالبراميل المتفجرة تحت جدران بيوتها لتموت نازحة فوق إسفلت شوارع غريبة برصاصة غادرة من قناصة الموت.

شيخ تلحف السماء هو وزوجته العجوز وثلاثة من أحفاده الصغار على رصيف حي الزاهرة بدمشق، فراشهم فيها بقايا كرتونة استعاروها من حاوية القمامة التي باتت آخر ستر  يحجبهم عن أعين قناصة سرقوا روح ابنهم الوحيد وزوجته في حي التضامن.

فتاة نازحة في مهجع ضم مئات النازحين، تصحى كل يوم ليلاً من نوم لا يكتمل تصرخ بهستيريا ذكريات من اغتصبوها وعذبوها من شبيحة النظام ولا تهجع إلا بضربة من والدها على رأسها تذهب بالذكريات والعقل معاً.

صبايا بحسن الورد مصفوفة في بيوت متهالكة ضمت نازحين في مدينة عمان، استشهد الأب فوجدت الأم في زواج إحداهن طوق نجاة للباقيات من واقع الجوع والعوز والذلة، كساهم ذل النزوح والتشرد قبل أن تمتطيهم وتخضعهم نظرة كسيرة ذليلة تستعيد ماض نخاسة مُحيت من واقع العرب ولكن احتفظت جيناتهم بسجلاتها، وهم يمثلون واحدة تلو الأخرى أمام محسنين من أبناء جلدتهم وهم يطالعوهن لانتقاء الأجمل كعروس ثالثة أو رابعة، فزعة وحمية لم يعرفوا لها ترجمة إلا باستغلال عوزهن لستر أعراض أخواته الشاميات اللاتي كان ظفر إحداهن حلم يتلذذ به أمثالهم في منامه ولا يطال.

هذا بعض مما كان بالأمس يؤرق “نازح” ويصليه آلام نزوح طالما سمع عنه وأصغى لقصصه وما رآه من قبل، أما اليوم واليوم  فقط، فقد بات نازح يعايش مرارة مصطلح نزوحه السابق بآلام وعذابات وقهر واقع نزوحه الراهن، اليوم واليوم فقط، كتب له أن يسير في رحلة الشقاء على دروب النزوح المضنية، اليوم واليوم فقط، امتزجت دموعه بدمعات جدته التي كانت تذرفها قربان رجاء يعيد ذكريات مزقتها أشواك طريق النزوح الذي ساروه، لكنهم في نزوحهم الأول كان هناك وطن كبير وجدوه يحضن شرودهم ويداوي جراحهم، أما اليوم فقد بات الوطن نفسه نازحاً شريداً في قوافل أبنائه النازحين.

كان نازح ورفاق مدرسته في الثانوية العامة يتندرون بتحريف مصطلح “ناجح ويعيد” إلى “نازح ويعيد” لمن يعاودون دراسة “الباكالوريا” طمعاً في معدلات أعلى تدخلهم اختصاصات عالية في الجامعة تضمن مستقبلهم، لم يخطر بباله يوماً أنه قد تنبأ بمستقبل حياته وحياة أهله كلها.

“نازح ويعيد”، ربما تكون معاودة بعض الأدواء احياناً أقل إيلاماً من المرة الأولى بداعي التجربة والتعود، لكن هناك أصناف من الداء مجرد تخيل عودتها يكون جحيماً من الآلام فضلاً عن مكابدة أوجاعها وألمها.

قطر – الدوحة – 01/04/2013م

Posted on 11 سبتمبر 2013, in قصة, أدب and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

شارك بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: