مجلس الأمن الدولي (حاميها حراميها)


مجلس الأمن الدولي

ايمن قاسم الرفاعي

 (مجلس الأمن الدولي)؛ هو أهم أجهزة الأمم المتحدة حيث يعتبر المسؤول عن حفظ السلام والأمن الدوليين طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، هذا التعريف بحسب ميثاق الأمم المتحدة، لكن هل يعبر هذا التعريف حقيقةً عن واقع هذه المؤسسة الأممية.

united_nations_security_council_meeting_room

تشكلت الأمم المتحدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م وخروج الحلفاء منها منتصرين، حيث تم الغاء الشكل الاول لهذه المنظمة الأممية والمسمى (عصبة الامم) والتي كانت قد تشكلت ايضا عقب انتهاء الحرب العالمية الاولى عام 1919م وخروج الدول الاستعمارية منها منتصرة. وبذلك تكون تجربتي المنظمة الاممية اتت تتويج لنهاية اسوء حربين في تاريخ الإنسانية، وفي كل مرة تكون الغايات المعلنة عن تشكيل هذه الهيئات هي حفظ السلم والأمن العالميين، في حين يجد المتبصر في الأمر أن حقيقة وجود مثل هذه الهيئات ما هو إلا مكافأة للمنتصر وتنصيبه على كرسي زعامة العالم، لينال بزعامة دعوى السلم والأمن ما لم ينله بالحرب، ولربما كان الأمر على استحياء في المرة الأولى لكن في الشكل الثاني لهذه المنظمة (الأمم المتحدة) كانت بصورة مباشرة من خلال فرض (مجلس الأمن) كجهاز أساسي يتحكم في السياسة العالمية من خلال مفتاح الأمن الذي جُعل في أيدي الأعضاء الخمسة دائمي العضوية أصحاب حق النقض (الفيتو).

فإذا أردنا فهم تعريف هذا المجلس بموجب ميثاق الأمم المتحدة نفسها وجب ان يكون الأمن والسلم المنشودين هما القاعدة التي تبنى عليهما سياسة هذا المجلس وفق مبادئ الإنسانية المجردة المستندة إلى الحرية في التعبير والمساواة في الرأي، وليس هيمنة الدول دائمة العضوية من خلال سلاح (الفيتو) القاصم لكل قرار معارض لمصالحها، وبذلك يكون التعريف الحقيقي لمجلس الأمن وفق النظرة الغائية الحقيقية منه ما هو إلا (شركة أمن مأجورة لأصحاب الفيتو تتقاضى أتعابها سواء من واقع تبادل المصالح السياسية فيما بين هذه الدول “المسمى بالعظمى” أم مع سائر باقي دول العالم الأخرى).

ثنائية الوهم

يستند نظام مجلس الأمن إلى ثنائية موهومة غير حقيقية تقوم على مبدأ (الدول العظمى وغير العظمى)، والتي بموجبها تتوزع العضوية بين دائمة للعظمى وغير دائمة لسواها، حيث أن مجموع أعضاء مجلس الأمن خمسة عشر عضواً فقط منها خمسة مقاعد دائمة ثابتة للدول العظمى (الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وانكلترا) والعشرة الأخرى مؤقتة تنتخب من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة من أصل 193 دولة، ويستند الوهم في هذه الثنائية إلى جملة أسس أهمها:

الأول: إن مفهوم السلم والأمن للشعوب هو مفهوم حضاري قيمي يستند إلى أسس حضارية تتعارض مع ممارسات الدول دائمة العضوية التي ارتكبت بحق البشرية أفظع الجرائم من خلال ممارساتها الاستعمارية والعسكرية خاصة ما كان منها في الحربين العالميتين الأولى والثانية التي راح ضحيتهما ما يفوق 75 مليون إنسان قسم كبير منهم أتى من دول فقيرة ضعيفة لا ناقة لها ولا جمل في كل تلك الحروب، لكن وبرغم ذلك تم تسليم ميزان الحكم للقوي المتغلب ليشرف هو على الكيل والميزان وتوزيع قسمة السلام والأمن بين الضعفاء المقهورين.

الثاني: مسمى الدول العظمى استند إلى الواقع الذي كان إبان خروج هذه الدول منتصرة بعد الحرب العالمية الثانية وبزخم سياسي واقتصادي كبير، في حين أن معظم هذه الدول قد بات الان من الضعف الاقتصادي والترهل السياسي في حالة من الشيخوخة جعلته عبء على تاريخه الحضاري فضلاً عن واقع الأمم الأخرى كروسيا وفرنسا وحتى انكلترا، في حين نشهد نمو وظهور لقوى جديدة ذات فاعلية كبيرة عالمياً كألمانيا واليابان اللتان خسرتا الحرب العالمية الثانية ولا زالتا تدفعان ضريبتها إلى اليوم بعد أكثر من 60 سنة، وكذلك دول أخرى فاعلة كنمور أسيا (ماليزيا والهند وسواهما).

وبذلك تكون فرضية الدول العظمى الموهومة قد افرغت من محتواها الذي تقنع واخفى عيوبه بنصر الحرب العالمية الثانية الذي عفى عليه الزمن وظهرت الجرائم التي أحدثتها مثل هذه الدول المدعية لحقوق الإنسان والمنافحة عن السلام، والتي لا تفتأ تتكشف لنا بممارسات هي أبعد ما تكون عن الفعل الحضاري والإنسانية التي تدعيها.

كما يفترض بالمنظمة الأممية، ولأجل النهوض بواجبها الحضاري والإنساني الذي أنشئت لأجله، الخروج من عباءة هيمنة الدول “المسماة بالعظمى” ذات النفوذ وصاحبة اليد الطولى في صنع قراراتها وسياساتها من خلال السيطرة على مجلس الأمن فيها والذي تسيره وفق نظرتها المجتزأة أحادية الجانب بالنسبة للعدل بين الشعوب الضعيفة من واقع دائرة مصالح هذه الدول العظمى، الى فضاء العدل والمساواة بين شعوب العالم جميعاً وفق أسس الحرية والعدالة الإنسانية بين دول المنظمة كافة دونما تمييز بين عظمى وصغرى أو غربية وشرقية أو غنية وفقيرة..، وهو ما تمارسه المنظمة من خلال جمعيتها العامة والتي حقيقة يجب أن تتولى هي مهام مجلس الأمن وفق الأسس المبنية عليها من واقع العدالة الكلية بين جميع دول المنظمة من غير مسميات موهومة تتعلق بالعظمة والتقدم أو تقسيمات سياسية تجتزئ العدل وتلغي المساواة، وذلك بسبب تحول تلك السلطة التي اجتمع العالم على إيجادها لحفظ الامن ونشر السلام إلى تنظيم سياسي عالمي يعتمد الكيل بمكيالين لتحقيق مصالح الدول العظمى ومن تقاطعت معهم مصالحه من الأنظمة السياسية التي باتت تنتهج سياسات بعيدة عن الوطنية لصالح الهيمنة الاستعمارية والامبريالية غير المباشرة المطبقة عليها.

قلب الموازين

عندما أنشئت الأمم المتحدة وأجهزتها وبخاصة (مجلس الأمن)، كانت الغاية والمقصد هو تحقيق فعل سياسي حقيقي يستند إلى شرعية دولية اجتمعت عليها دول العالم في تنفيذ قرارات هذه المنظمة في حفظ الأمن ونشر السلام العالمي وحفظ حقوق الإنسان في العالم والدول المنضوية تحتها وردع الدول المارقة التي تسعى إلى أي شكل من أشكال ممارسة الهيمنة بواقع سلطة القوي على الضعيف، ولكن من واقع الممارسة العملية الطويلة ومنذ إنشاء مجلس الأمن، ظهر هذا المجلس بأسوأ صورة سياسية لا تعبر إلا عن واقع الهيمنة الذي تمارسه الدول دائمة العضوية على مقررات هذا المجلس في ضوء مصالحها الخاصة التي تتقاطع او تتعارض مع سواها، ومن أمثلة ذلك في احتلال كل من (فلسطين من قبل إسرائيل، وأفغانستان والعراق من قبل الولايات المتحدة وانكلترا، وكذلك افغانستان وأوكرانيا من قبل الاتحاد السوفيتي وروسيا اليوم) إلا غيض من فيض لهذه الممارسات الضاربة بعرض الحائط لكل اعتبار سياسي او اخلاقي أو إنساني لمبادئ وقيم هذه المنظمة الأممية، ليصبح هذا المجلس الذي وضع أساساً لنزع الهيمنة إلى أداة هيمنة وسيطرة مفروضة باسم القانون الدولي على الدول الضعيفة، ولتتحول مع الوقت القرارات التي يجب ان تكون لها ترجمة على الارض لنصرة أصحاب الحقوق من الدول الضعيفة إلى هدف بحد ذاتها لتحفظ فيما بعد في أرشيف هذا المجلس الذي تتفاخر منظمة الامم المتحدة باحتوائها على أكبر أرشيف للقرارات المعطلة في العالم، فقط لمجرد تعارض هذه القرارات مع مصالح الدول العظمى في العالم.

وكذلك ورغم اختلاف كافة موازين الفعل الحضاري والسطوة والقوة للدول بعد الحرب الثانية، إلا أن المعادلة التي رسمت بناء عليها الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيها بقيت معادلة ثابتة بين العضوية الدائمة والمؤقتة، ورغم تراجع الدور الحضاري وحتى تدهور قوة بعض هذه الدول دائمة العضوية وصعود أخرى في العالم بقيت هذه المعادلة ثابتة.

فحتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أحد هؤلاء الاعضاء تم توريث عضويته إلى دولة روسيا الاتحادية الهزيلة الموبوءة بكل مشاكل الدول المتخلفة من فساد وفقر وانتشار للجريمة المنظمة والاتجار بالبشر، وذلك فقط لامتلاك هذه الدولة للسلاح النووي الذي ورثته عن الاتحاد السوفيتي، في مشهد تعسفي صارخ لقلب مبدأي الثوابت والمتغيرات، فبالوقت الذي يجب ان يكون العدل والمساواة هما الثوابت التي يبنى عليها السلام والأمن العالمي بين الدول التي يمكن ان تتغير احوالها من صاحبة حق إلى ظالمة، نجد ان القوة والدولة التي تمتلكها ولا شيء سواها هي الثابت الوحيد الذي تبنى عليه قرارات مجلس الامن التي طالما جانبت الصواب والعدل وكانت تكال بمكيالين رضوخاً لمبدأ القوة هذا والذي حقيقة لم يبق ثابت طيلة هذه الفترة الممتدة منذ إنشاء الأمم المتحدة بل كان متغير بتغير الحركة الطبيعية لأحوال الدول الخاضعة للقانون الطبيعي في الدورة الحضارية لنشوء الدول والعمران الذي تحدث عنه ابن خلدون.

Posted on 23 مارس 2014, in مقالة, سياسة and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

شارك بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: