قصة – محلِّق ومخيول


محلِّق ومخيول

ايمن قاسم الرفاعي

3412b576a9-img

لم تكن حيوانات وادي “النعيم” تتوقع يوماً أن تواجه ما باتت تكابده من جوع وهلاك ساقه لها ذلك الانهيار الجبلي الذي أغلق المدخل الوحيد للوادي، ذلك الوادي الذي طالما نعمت فيه بالخير والثراء  والسلام، فبعد ذلك الانهيار أصبحت الطرائد والفرائس التي كانت تمر بالوادي تقل شيئاً فشيئاً إلى أن أصبح الحصول على صيد بسيط فيه أمراً مستحيلاً وكاد كثير من الحيوانات أن يهلك إما جوعاً أو افتراساً, فمن بعد السلام الذي كانت تنعم به حيواناته كأبناء لوادي واحد صارت تفترس الحيوانات بعضها بعضاً وعمت الفوضى ذلك الوادي المطمئن، وكما هو ديدنها دائما حين تطل علينا الفتن برؤوس شياطينها كذلك تخرج لنا أساطير من الأبطال والعظماء المجهولين، فما إن رأى النسر “محلق” ذلك الأمر وهاله ما ينتظر أبناء واديه العزيز من جوع وهلاك، نذر “محلق” نفسه لإطعام هذه الحيوانات البائسة الحبيسة في بطن هذا الوادي المعزول، فصار يصطاد الفرائس من الأماكن البعيدة خارج الوادي ويقذفها في الوادي ليطعم الحيوانات فيه، ولأن العمل كان كثيرا جدا ويفوق جهده، لم يتسنى لمحلق أن يقوم بتوزيع وتقسيم الطرائد التي يصطادها على الحيوانات الجوعى، فكان يجمعها في صعيد واحد ليلاً ويتركها مسرعاً نحو طرائد جديدة، وكان الغراب “مخيول” يترصد ما يقوم به “محلق“، فصار يتحين أن يغادر “محلق“، ليقف على تلك الطرائد التي جمعها، ويقوم بتوزيعها على الحيوانات البائسة الجوعى، ويصدر الأوامر والنواهي لها فيمنحها هذه الطريدة ويمنعها تلك ويستعرض بطولاته في اصطيادها وجمعها، وبمرور الوقت اتخذ مخيول حاشية له من الضباع والثعالب وبعض الذئاب الجائعة لتحميه من الحيوانات وتعينه على السيطرة عليها بحجة تنظيمها ومساعدتها، ورغم وجود الأسد والنمر والفهد بين الحيوانات، إلا أنهم كانوا يصمتون وينقادون لهذا الغراب المخيول خوفاً من أن يفقدوا المصدر الوحيد للطعام الذي لازال متاح لهم في الوادي وتجنباً لأن يزعزعوا وحدة أبناء واديهم أو أن يلجأوا لافتراس بعضهم البعض، ومضت الأيام وصارت الحيوانات تسبح بحمد “مخيول” وتشكر له صنيعه العظيم، لكن بعض الحيوانات التي منَّ الله عليها بنعمة التفكر كانت تشكك وتستهجن أن يكون “مخيول” هو من يقوم بصيد تلك الطرائد العظيمة وذلك لمعرفتها بمخيول وحقيقته وإمكانياته فكانت تشارك الحيوانات من أبناء واديها ما يجول في خواطرها وبضرورة كشف الحقيقة واماطة اللثام عنها إحقاقاً للحق وإزهاقاً للباطل، إلا أن الغريب أن بعض الحيوانات كان يحلف أن “مخيول” هو من يصطاد هذه الطرائد ولربما بلغ الأمر أن تبجح بعضهم أنه رآه وهو يحلق بها عالياً على الرغم من وجود الغزلان والخراف والأيائل ضمن تلك الطرائد، وحين يعجز المنطق أمثال أولئك، تراهم يكتفون من الرد بالقول ” مخيول غراب مبارك وقد فتح الله عليه رحمة بمن في هذا الوادي ، أفتنكرون على الله حكمته أم أنتم بالله كافرون!!”

08/09/2014م

Posted on 8 سبتمبر 2014, in قصة, أدب and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

شارك بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: