قصة – قانون البوصلة

قصة ( قانون البوصلة )

أيمن قاسم الرفاعي

321378482screenجلس بين يدي أبيه يبكي عمره وعلم سنواته العشرين الذي ضاع في غمضة عين، كانت الحرقة تسكن عينيه والضياع يلف جنبات نفسه، معلمه وأستاذه الذي تربى على يديه وكان له النبع الذي ينهل منه حسن خلقه والمشكاة التي يقبس منها جذوة علمه، قد تاه وتبدلت به حال الصلاح إلى دروب التيه والضلال ومسالك المفسدين والمتسلطين. قذف ذلك الأمر الرعب في قلبه فأوجس في نفسه خيفة من كل علمه وعمله، فإن كان معلمه قد ضل بعلمه فلا شك أنه منه إلى الضلال أقرب، وإن كان قد ساء عمل الأستاذ فسوء عمل التلميذ أوجب …

ربت على كتفي ابنه الكسير أمامه: هون عليك يا بني، ثم تناول جسماً من درج مكتبه ووضعه أمامه وسأله: إلى أين تشير هذه..

ذاهلاً عن غرابة السؤال وصدمة الطلب حين رأى البوصلة ماثلة أمامه، أجاب دون تفكير: إلى الشمال.

أمتأكد أنت..

بكل تأكيد، فهذا مبدأ البوصلة أن تشير دائماً إلى الشمال، وهذا بيتنا وأنا أعرف اتجاهاته وإبرتها تتطابق مع جهة الشمال منه.

حسناً… ثم اخرج من الدرج جسماً آخر ووضعه في جيبه هذه المرة، فتغير اتجاه إبرة البوصلة ليصبح باتجاهه هو مباشرة ..

فسأل مستغرباً، ماذا فعلت حتى تاهت البوصلة عن الاتجاه الصحيح ؟..

فأجابه والده مبتسماً وهو يمسح شعره، عندما كانت إبرة بوصلتي حرة في يدي ولا تخضع إلا لقانون الله (والذي هو الحقل المغناطيسي للأرض)، كانت دائماً تشير نحو الاتجاه الصحيح جهة الشمال، وهذا حالها أنى تكون حرة، ولكن Read the rest of this entry

بعض مفاهيم نظرية العدالة لجون رولز والمنظور الإسلامي لها

بعض مفاهيم نظرية العدالة لجون رولز والمنظور الإسلامي لها

أيمن قاسم الرفاعي

الدوحة 10/05/2015م

Presentation1

إن جل ما أراده رولز من فرضيته المتخيلة للعدالة، والمستندة إلى الوضع الأصلي وستار الجهل ثم تجسيد هذه العدالة في الدستور أو التشريع الأساسي لرابطة بشرية ذات تنظيم جيد، ما هو إلا عملية خلق ظروف افتراضية لإنشاء وسط ومناخ حيادي يحياه أناس حياديون ذوو مواصفات خاصة لوضع أحكام حيادية لهم تحدد وجه العدالة الذي يتصورونه فيما بينهم. وبهذا التبسيط لنظرية رولز، يمكننا القول أن فرضيته هذه تشكل قمة ما وصلت إليه العقلانية في وضع أسس العدالة التي تناسب البشر، ورغم كافة الآراء التي انتقدت النظرية إلا أنها تبقى حتى الآن النظرية الوضعية الأقوى حجة والأقدر على الإجابة على كثير أسئلة أعيت ما قبلها من نظريات، خاصة بعد ما قدمه رولز نفسه من تعديلات وتوضيحات لنظريته بعدما انتشرت ورد عليها الناس.

لكن من وجهة نظر إسلامية، تستند إلى الإيمان والعقل معاً، لا أرى فيما يفعله رولز إلا محاولة معقدة (وهي مبررة) من وجهة نظري لعقلنة العدالة التي جاء بها الإسلام، فالعدالة في الإسلام تستند في أسسها ومبادئها الكبرى إلى الشارع سبحانه، وما أنزله تعالى من أحكام ومبادئ تشرح للناس في نصوص إلهية عامة ما ينفعهم وما يضرهم وما يصلحهم وما يفسدهم، وتؤصل لهم منهج العدل ليتخذوه إماماً وتنهاهم عن طريق الظلم سواء لأنفسهم أو فيما بينهم ويتوعدهم إن هم ساروا فيه، حيث قال تعالى: )إنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيراً ( 58 النساء. كما وجاء في الحديث الشريف (المزيد…)

هل يمكن للديمقراطية أن تكون وسيلة لإنصاف الإسلام “كدين” ؟ – تركيا نموذجاً

هل يمكن للديمقراطية أن تكون وسيلة لإنصاف الإسلام “كدين” ؟

تركيا نموذجاً

أيمن قاسم الرفاعي

الدوحة 07/05/2015الإسلام والديمقراطية

يخشى الكثير من منظري الإسلام على النظام السياسي في الدول الإسلامية (ذات الغالبية المسلمة) من الديمقراطية وما يمكن أن تجلبه بمفاهيمها الغربية الأصل من قيم ومبادئ تتناقض مع الإسلام ومبادئه والنظام السياسي الإسلامي الذي يتصوره هؤلاء المنظرين مستمداً من الممارسة التاريخية العظيمة لدولة الإسلام وبخاصة عهد الخلفاء الراشدين، ومستنداً إلى مرجعية عظيمة من نصوص القرآن والسنة النبوية، معبرين عن مخاوفهم هذه بأن من ارتضى الدخول في لعبة الديمقراطية عليه أن يرضى بكافة قوانينها وقواعدها وعلى مختلف المستويات، ناهيك عما تقوم به الدول الغربية من استغلال لهذا المصطلح للهيمنة على الشعوب والأمم وفرض معاييرها الحضارية الخاصة واستغلال مقدرات هذه الشعوب بحجة نشر الديمقراطية من خلال استخدام مفهوم فضفاض غير محدد الملامح، يغري الشعوب ويجعلها تندفع تجاهه مدفوعة بكل توق لفضيلة وقيم تظن انها من الديمقراطية دون وعي سياسي حقيقي بكافة أبعادها، ونظراً أيضاً لما يمكن أن تحدثه الديمقراطية ومبادئها من تغييرات ونتائج على مستوى الفرد والمجتمع والأمة مغايرة للصبغة الإسلامية، مثل فوز غير المسلم بمنصب الولاية العامة والمناصب السيادية أو إقرار دستور وشرائع غير إسلامية للمسلمين أو ما قد تستورده من مفاهيم الحرية الشخصية المطلقة غير المقيد بأي قيم أو مبادئ ناسفة بذلك المنظومة الإسلامية للمجتمع ومغرِّبة كل ما فيها تحت وطأة قواعد لعبة الديمقراطية نفسها.

لا شك أن مثل هذه المخاوف مبررة، ولها أسبابها الموضوعية وأدلتها سواء من الإسلام أو حتى من الواقع،  شأنها في ذلك شأن ما للآراء المقابلة أيضاً والتي ترى الديمقراطية هي ذاتها الشورى الإسلامية أو أنها جزء أصيل من الإسلام بمبادئها وقيمها وأنها مجموعة قيم ومبادئ تتخطى فكرة  الانتخاب وحكم الأكثرية، وإنما هي ثقافة ومنظومة قيمية في الدرجة الأولى، ويجب على المسلمين أن يقبلوا عليها دون تردد، وان يتناولوها بقالبها المطبق الواضح للجميع. لكن مقتضى الحكمة يقول: يجب ألا تحمل الأمور على إطلاقها لا في السلب ولا الإيجاب، وإنما (المزيد…)

حول تجاذبات موضوع المصالحة

حول تجاذبات موضوع المصالحة

 

خواطر ايمن

حول تجاذبات موضوع المصالحة

أيمن قاسم الرفاعي

في السنة السادسة للهجرة وبعد أن قوي المسلمون في المدينة وازدادوا منعة وعدداً وبخاصة من بعد النصر المبين على الأحزاب من المشركين والأعراب واليهود الذين تكتلوا ضدهم في غزوة الخندق، سار الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في جمع ضمّ ما يربو على ألف وأربعمئة صحابي جليل لأداء أول عمرة لهم بعد الهجرة، وجراء تفاعل الأحداث في موضع الحديبية بدءاً من خروج قريش لصد المسلمين ومنعهم من دخول مكة ثم إشاعة مقتل عثمان وما جرى في بيعة الرضوان وما رافقها، أقدمت قريش على طلب عقد صلح مع الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن بوارد أحد من المسلمين حينها إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى إذا ما تم الصلح وأنجز وقف خيرة الصحابة في حالة صدمة عبروا عنها بصيغ لم تحدث من قبل استنكاراً لما دار في خلجات أنفسهم من أخذ الدنية في دينهم الحق بحسب فهمهم، لكن لأنهم تربية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ما كان منهم إلا الطاعة والامتثال، ليتكشف لهم بعد فترة وجيزة ما غاب عنهم حينها من بُعد رؤيته  صلى الله عليه وسلم حين قال: (“والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ” البخاري).

التفصيل كبير في هذا الأمر ولعل قارئ هذه الكلمات أعلم من كاتبها بما دار من تفاصيل هذا الصلح العظيم وتبعاته والدروس المستقاة منه في تاريخ الإسلام المشرف، ولكن يحز في النفس أن ن (المزيد…)

إسلام وأنصاف آلهة..!! كيف يجتمعان؟!

أإسلام وأنصاف آلهة..!!  كيف يجتمعان؟!

 

سفينة الحياة

أإسلام وأنصاف آلهة..!!  كيف يجتمعان؟!

أيمن قاسم الرفاعي

“على أبي سليمان فلتبكي البواكي، والله لقد كان سداداً لنحر العدو ميمون النقيبة”

بهذه الكلمات الممزوجة بالدموع أنهى الفاروق عمر سيرته مع رفيق العمر خالد بن الوليد، وبالوصية ببناته وأهله إليه أنهى سيف الله المسلول سيرته مع ابن الخطاب، لكن العجب العجاب تسمعه حين تتصفح كثير من الكتابات في السير وغيرها حول هذه العلاقة لتجدها حبلى بالتأويلات والشطحات التي تتحدث عن حقد شخصي حمله أبو حفص على أبي سليمان، فيؤوله البعض لسباق جرى بينهما أو لتنافس وروح خصومة وحسد كانت قبل الإسلام وذهب غيرهم إلى سوى ذلك، وسواء أكان ذلك التأويل بسلامة نية أم بفسادها فقد كان يحاول بسذاجة أن يعلل المواقف التي اتخذها عمر تجاه خالد أيام خلافة أبا بكر (رضي الله عنهم أجمعين) والتي وقف فيها ابن الخطاب موقف الناقد لبعض تصرفات خالد دون مواربة حين خرج عن النهج الإداري الذي تبنوه ومشيراً على أبي بكر باستدعاء خالد وسؤاله أو بعزله، ثم ما كان من عزل عمر بعد ذلك لخالد وتولية أبي عبيدة بن الجراح أثناء خلافته، القصة أشهر من أن يفصل فيها، لكن الشاهد هو في العقلية المجانبة للعقل والمنطق  “العقلية البارانويدية” التي يضيق صدرها فضلاً عن عقلها الضيق بأي نقد أو تقييم موضوعي فما تلبث أن تجتره وتحوله مباشرة إلى عداء شخصي وتؤول له من الأسباب ما يطرق كل باب سوى باب الموضوعية والنقد البناء الذي أمرنا به سواء من خلال الفريضة الإلهية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أم الوصية النبوية (الدين النصيحة).

هذه العقلية “البارانويدية” التي ابتليت بالتأويل القسري الذاتي، تجاهد دائماً لربط أي نقد، يطالها أو يطال أيما له علاقة بها من أشخاص أو حتى قناعات، بما بات يسمى بـ “الشخصنة”، وسواء ذلك أكان لذاتها أم لذات ناقدها. فإما أن تجعل Read the rest of this entry

بحث – البيروقراطية ورؤيتها من منظور إسلامي

البيروقراطية – ماهيتها، تجربتها، تقييمها، رؤيتها من منظور إسلامي

أيمن قاسم الرفاعي

grafeiokratia (1)

إن ما يميز المجتمع الحديث عن باقي المجتمعات، خاصة البدائية منها هو ما يعرف بالتنظيم، والذي يعتبر عاملاً جوهرياً وأساسياً لبقاء أي مجتمع واستمراره، إضافة إلى أنه وبهذا المعنى، فهو موجود في كل الأنظمة أو الأنساق الإنسانية التي تندرج ضمن النسق الكلي ألا وهو (المجتمع). وقد عرفت المجتمعات الإنسانية تطوراً مطرداً خاصة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تسعى هذه المجتمعات إلى تحقيق التنمية في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحتى الثقافية، ولقد أصبح المجتمع الحديث يبنى على أساس جملة من الوحدات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والتي هي بأمس الحاجة لمجموعة من الفاعلين الاجتماعيين للمحافظة على بقائها واستمرارها والعمل على تطويرها، ولقد ساهم هؤلاء الفاعلين وإلى حد ما في خلق جملة من النظم والقواعد التي تسير وفقاً لها هذه الوحدات والأنساق والتي من بينها التنظيم البيروقراطي، والذي يعتمد على مجموعة من القواعد والقوانين التنظيمية التي تحكم وتحدد طبيعة العمل فيه، فنشاط المنظمات بما تقوم به من تخطيط وتنظيم وتوجيه ورقابة قائم على التنظيم البيروقراطي، بالإضافة لكونه يخدم المؤسسات ويتعدى ذلك لصالح الإدارة والعمال والجمهور.11

ولكن ورغم ظهور النموذج البيروقراطي للتنظيم في مطلع القرن العشرين بصورته المثالية على يد ماكس فيبر (1864 – 1920م)، (المزيد…)