أرشيف المدونة

العقل التبريري

العقل التبريري

عبد العزيز بن علي السويد

15 إبريل 2009

 satellite

  لكل منا حظّه ونصيبه من العقل التبريري، هذا العقل الذي ينتظرنا دائماً عند حافة الفعل والقول، لتبرير أخطائنا ((وأخطاء الغير)) بدل نقدها ومحاولة إصلاحها، أو على الأقل ((الاعتراف بها)) والاعتذار عنها .. وهذا العقل التبريري أو التسويغي أو الذرائعي، يحضر بقوة في كل موقف وفي كل ظرف حتى في حديث المرء مع نفسه، يحضر هذا العقل في موكب العاطفة فيصبح الإنسان عاجزاً عن التفريق بين الخطأ والصواب .. لأن سلطة العاطفة والمنفعة الذاتية ومعهما العقل التبريري الجاهز والمتحفز للتغطية والتمويه، وصد إعمال العقل المنطقي والتفكير السديد، يتحول الإنسان في لحظات التبرير إلى كائن مكفوف البصيرة، فلا يرى أمامه إلا طريقًا واحدًا وموقفا انفعالياً سلبياً وهو كيف يخرج من مغبة تجريم الخطأ، وقلق الموقف النقدي الذاتي إلى ترويح النفس بالاطمئنان الموهوم، فينبري العقل التسويقي لصاحبه كالمنقذ بأن يضعه في موقف الضحية وموقف المظلوم وموقف المنكسر، أما غيره من الناس فهم الذين يرتكبون الأخطاء عمداً و دائماً، دونما إحساس بالعتب أو مظنة الاعتذار والتراجع .. مثل هذا الحديث مع النفس يمليه عقلنا المبرر لأخطائنا ويجعلنا ننتقل من محاولة مراجعة مواقفنا الخاطئة، و العزم على عدم تكرار فعل الخطأ إلى عقد العزم على العودة مجدداً لنفس الموقف .

من هنا تأتي مشكلة الإنسان مع مواقف تسويغ فعل الخطأ العمدي، والعقل التبريري لا يقف عند هذا الحد، بل هو -وبكل ثقة- قادر على تسويغ أعقد القضايا وإلباسها ثوب الحقيقة والصدق، بالانتقال من الشيء إلى ضده، بأن يجمع ويساوي بين المتناقضات من المفاهيم في وحدة غير جدلية في نفس الموقف، فلا يفصل بين الحرية الشخصية وقيم المجتمع بين الحق الخاص والعام، بين الخيانة والأمانة، ويقدمها على أنها مترادفات ملتبسة تحتمل التأويل والتفسير المتشابه، ليدافع عن سقطاته وضدها في نفس الوقت أو سقطات من يصب في خانته، وتكمن مشكلة العقل التبريري (المزيد…)