[rank_math_breadcrumb]

الفقه بين حراسة الحياة أو الوصاية عليه؛ قراءة بارادايمية في نفقة علاج الزوجة

الفقه بين حراسة الحياة أو الوصاية عليه؛

قراءة بارادايمية في نفقة علاج الزوجة

أيمن قاسم الرفاعي

لفت انتباهي حوار فيسبوكي مثير للتوقف، يدور حول مشكلة في باب عنوان المقال نشأت من سؤال يبدو بسيطًا على تعقيده حياتياً: هل علاج الزوجة واجب على الزوج؟

غير أن هذا السؤال، في حقيقته، ليس سؤالًا فقهيًا بقدر ما هو سؤال عن حدود السلطة في الحياة الأسرية: أين تنتهي وظيفة القانون؟ وأين تبدأ مسؤولية الأخلاق؟ ومن يملك القرار عندما تصبح الحياة نفسها على المحك؟ ومثل هذه الأسئلة لا تُطرح في فراغ نظري، وإنما من مواقف يومية قاسية.

مثال: امرأة دخلت في غيبوبة طويلة، حياتها معلقة فقط بأجهزة طبية باهظة الكلفة اذا نزعت انتهت. الزوج يرى أن استمرار العلاج بلا أمل يرهق الأسرة ماليًا ونفسيًا. أهل الزوجة يرون أن إبقاءها على الأجهزة واجب أخلاقي وشرعي وقانوني على الزوج مهما كانت الكلفة.

هنا تتحول الرحمة إلى نزاع، وتتحول المودة إلى قضية قضائية، وتصبح الحياة نفسها موضوعًا للجدل. في مثل هذه اللحظات، يظهر المعنى الحقيقي لما يمكن تسميته: حراسة الحد الأدنى القضائي.

القانون، في جوهره، لا يُنشئ الحياة، لكنه يمنع انهيارها. وظيفته الأساسية هي حماية الإنسان عندما يخفت صوت الضبط الأخلاقي الذاتي أو يغيب الوضوح المعرفي، حيث تتحول العلاقات إلى صراع حينها. فمن دون (حد أدنى) واضح، قد تتحول الأخلاق إلى سلاح يُستخدم ضد الطرف الأضعف.

في المثال السابق، لو اعتُبر علاج الزوجة واجبًا مطلقًا بلا ضابط، فقد يُجبر الزوج على تحمل تكاليف علاج بلا جدوى طبية، وقد تتحول القضية إلى ابتزاز عاطفي أو قانوني. ولو اعتُبر العلاج غير واجب مطلقًا، فقد تُترك امرأة مريضة بلا رعاية رغم قدرة زوجها على علاجها. وهذا مجرد مثال لتقريب الفهم وإلا فالحياة مليئة بالأمثلة الأكثر تعقيداً في الحياة الإنسانية والاجتماعية.

الحد الأدنى القضائي، إذن، هو تعبير عن حماية الحياة من الشطط والتجني، وأشبه بسور يحفظ التوازن عندما تفشل العلاقات في ضبط نفسها.

 

أين وقع الخلل في التجربة الفقهية؟

الخلل لم يكن في وجود الفقه، ولا في تحديد الحد الأدنى، وإنما في طريقة توصيف العلاقة الأسرية نفسها. الفقه التاريخي،  في غالبية مسائله تأثر بالبيئة والمجتمع القائم، أكثر من غوصه في ثنايا النص المؤسس (القرآن الكريم)، فضلاً عن محدودية المعرفة الإنسانية وتدرجها عبر التاريخ والتي تؤثر على التلقي القرآني نفسه. لذلك في هذا المثال انطلق الفقه من نموذج أسرة واحد: زوج (قوام)، وزوجة (معالة)، هذا النموذج كان واقعيًا ضمن بيئته الجغرافية الزمانية، لكنه لم يكن النموذج الوحيد الذي تحدث عنه القرآن بصيغة تقريرية خبرية تصف سنة اجتماعية انسانية تبنى عليها الأحكام الفقهية، لا حكم شرعي جامد؛ ]الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ .. (34) النساء[

لذلك عندما يتحول نموذج اجتماعي إلى قاعدة عامة، تفقد الأحكام قدرتها على استيعاب التنوع الإنساني. وهنا بدأ ما يمكن تسميته: الانكماش الفقهي داخل صورة واحدة للأسرة، ومن ثم للمجتمع والفرد.

 

القرآن لم يقدّم نموذجًا واحدًا للأسرة

القرآن، حين وصف العلاقات الإنسانية، قدم من خلالها قواعد سننية تكشف عن أنماط متعددة للحياة. في قراءة سابقة لي نشرتها حول أنماط الأسرة في القرآن بعنوان: (أنماط الأسرة في القرآن: تصنيفٌ سنني يتجاوز الجندر إلى الموقف) على موقع نخبة الفكر، بينت أن القرآن حدد أن الأسرة ليست لها الصيغة الواحدة التي رسخها الفقه، وإنما هناك ثلاثة أنماط سننية:

  • أسرة تشاركية بقيادة مشتركة
  • أسرة أبوية يقودها الزوج
  • أسرة أمومية تقودها الزوجة

إن هذه التوصيفات الواقعية لحالات بشرية، يجد المتمعن فيها نماذج كثيرة لها منتشرة في الحياة. فالقيادة (القوامة) في الأسرة ليست صفة بيولوجية، وإنما وظيفة مرتبطة بالقدرة والمسؤولية لذلك ربطها بالرجولة كوظيفة إنسانية اجتماعية وليس بالذكورة كجنس بيولوجي.  وهنا يبرز السؤال الذي يطرح نفسه بوضوح: ماذا لو كانت الزوجة هي صاحبة القوامة؟  وفي الحياة هذا الأمر ليس بأمر شاذ أو استنثائي، فهو منتشر بكثرة في المجتمعات الإنسانية، وحتى الإسلامية في حالات عديدة سواء من حيث العصمة أو النفقة وإدارة الأسرة.

إذا كانت المرأة هي صاحبة القرار المالي، وهي القادرة على الإنفاق، وهي التي تتحمل مسؤولية إدارة الأسرة، فإن منطق الحياة يفرض نتيجة واضحة: الالتزام بالعلاج ينتقل إليها بوصفها القائم على النفقة. لا لأن النص تغير، ولا لأن الفقه تبدل،
بل لأن موقع المسؤولية قد تغير. لذلك فإن القوامة في هذا الفهم ليست امتيازًا أكثر منها عبء مسؤولية وموقف اجتماعي إنساني. ومن يتحمل فيها المسؤولية يتحمل تبعاتها. هذا الفهم يعيد التوازن إلى العلاقة، ويمنع تحويل الأحكام إلى أدوات هيمنة.

 

الفقه بين الأحادية والوصاية

عندما أُسقط التنوع القرآني للأسرة، وتحوّل نموذج واحد إلى معيار دائم، أصبح الفقه في كثير من تطبيقاته التاريخية أقرب إلى خطاب ذكوري فعلاً. المشكلة حقيقة لا تكن في النصوص، لكن زاوية التلقي هي مناط الأمر في ذلك كله. فالقرآن تحدث عن القوامة بوصفها وظيفة مناطة بمن يحمل صفات الرجولة، بينما قرأها بعض الفقهاء بوصفها صفة ثابتة بالذكر. الفارق بين الوظيفتين كبير: الصفة تُمنح، والوظيفة تُكتسب. وعندما تتحول الوظيفة إلى صفة، يتحول الحكم إلى سلطة.

قضية علاج الزوجة رغم أنها مسألة طبية أو مالية ابتداءً، لكنها مرآة لطريقة فهم العلاقة الزوجية من حيث المبدأ. في أسرة قائمة على الرحمة، يصبح العلاج فعلًا طبيعيًا. في أسرة تحكمها الصراعات، يصبح العلاج موضوع نزاع. وفي أسرة مختلة التوازن، قد يتحول العلاج إلى وسيلة ضغط. لهذا كان لا بد من وجود حد أدنى قضائي يحسم النزاع عندما تنهار الأخلاق وتضيق المعرفة. لكن تحويل هذا الحد الأدنى إلى معيار للحياة اليومية هو ما يصنع الأزمة.

الفقه، في وظيفته الأصلية، يعمل بوصفه نظام حراسة للحقوق عند النزاع؛ فهو يحدد الحد الأدنى الذي يمكن إلزام الناس به أمام القضاء، ويمنع الظلم عندما تتحول العلاقات إلى خصومة. وقد ميّز الأصوليون بوضوح بين ما يُلزم قضاءً وما يُطلب ديانةً، فالقضاء مبني على الظاهر الذي يمكن إثباته، بينما المجال الأخلاقي أوسع من نطاق الإلزام القانوني، وتبقى فيه مساحة كبيرة لمسؤولية الضمير وقيم الرحمة والمعروف.

ومن هنا كانت الشريعة، في تصورها المقاصدي، تسعى إلى حفظ نظام الحياة ومنع الفوضى، مع ترك مساحة واسعة لتنوع الواقع الإنساني واختلاف أنماط الأسر. لكن عندما نقل الفقهاء الفقه من موقع الحراسة إلى موقع إدارة تفاصيل الحياة اليومية، ظهرت أحكام تضيق عن استيعاب هذا التنوع، وتجعل صحيح الحياة على تعارض مع الدين في ظاهر ما تقدمه الأحكام الفقهية؛ لأن الحارس في الأصل يضع الحدود التي تمنع الظلم ولذلك كانت الشريعة المحمدية (حدودية لا حدية)، أي قائمة على وضع الحدود الضابطة لا على إدارة تفاصيل الحياة، بينما التدخل في توجيه أسلوب العيش وتحديد صورة العلاقة الإنسانية يبقى من اختصاص القيم والعرف والمعروف، والدخول فيها يجعل الشريعة (حدية لا حدودية) على غرار الشريعة اليهودية.

 

المعروف: المعيار الذي يتطور مع الحياة

القرآن لم يحدد تفاصيل النفقة بدقة جامدة، وإنما ترك مساحة واسعة لمفهوم واحد: المعروف،  ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) البقرة﴾. المعروف بالمعنى القرآني لم يكن يومًا رأيًا فرديًا، ولا عرفًا عابرًا، لكنه ظلّ على الدوام معيارًا اجتماعيًا أخلاقياً جامعاً متجددًا. في زمن سابق، كان العلاج خدمة نادرة ومكلفة وصعبة الوصول، أما اليوم فقد أصبح جزءًا من أساسيات الحياة. وهذا التحول الاجتماعي يغيّر موقع العلاج داخل النفقة، لا بقرار فقهي جديد، لكن من خلال حركة المجتمع نفسه، ولا أدل على ذلك من مثالنا الذي طرحناه.

ففي حالات المرض الشديد أو الغيبوبة الطويلة او الموت السريري، والتي كانت وفاة محتمة في السابق، اليوم قد أصبحت من تفاصيل العلاج. لذلك لا يكفي في هذا المقام الاحتكام إلى العاطفة وحدها، فهناك ثلاثة عناصر يجب أن تتوازن: (الجدوى الطبية ، القدرة المالية ، مصلحة الأسرة ). القانون هنا لا يقرر من يحب أكثر، فمهمته ببساطة أن يحدد ما يمكن تحمله دون انهيار الأسرة، وهذه وظيفة إنسانية بامتياز.

الفهم البارادايمي لا يبحث عن حكم واحد يصلح لكل الحالات، وإنما يبحث عن القاعدة التي تحكمها. القاعدة في هذه المسألة يمكن صياغتها على النحو التالي: من يتحمل مسؤولية القوامة يتحمل مسؤولية الرعاية، ضمن حدود القدرة، وتحت  رقابة القانون عند النزاع. هذه القاعدة: (تحفظ كرامة المريض، تحمي الأسرة من الانهيار ، تمنع استخدام الأخلاق كسلاح ، وتبقي القانون في موقعه الطبيعي).

 

الخلاصة

الفقه، في جوهره، أداة فهم عميق لشتى جوانب ومجالات الحياة، تُعين الإنسان على إدراك الواقع وتنزيل القيم فيه بميزان الحكمة، وليس مجرد منظومة أحكام تُطبَّق. فهو يبدأ بوصفه فعلًا معرفيًا يقرأ الإنسان وظروفه وعلاقاته، ثم يتحول – عند الحاجة – إلى نظام حراسة يحفظ الحد الأدنى الذي تُصان به الحقوق عندما تتحول العلاقات إلى نزاع. ومن هنا كانت وظيفته الحضارية مزدوجة: فهم الحياة قبل ضبطها، وتنظيم الاختلاف قبل أن يتحول إلى ظلم.

والأخلاق، في هذا السياق، ليست بديلًا عن الفقه، لكنها المجال الطبيعي الذي يعمل فيه الفقه أساسًا؛ فهي التي تصنع الحياة في حالتها السوية قبل أن تصل إلى ساحة القضاء. وفي موضوعنا في هذا المقال، فقد أسس القرآن العلاقة الزوجية على منظومة قيم حاكمة – المودة، والرحمة، والمعروف، والميثاق – تتيح للأسرة أن تتكيف مع تنوع الواقع واختلاف الأدوار داخلها، وتمنحها القدرة على إدارة حياتها دون حاجة دائمة إلى تدخل قانوني.

لذلك عندما يُفهم الفقه ضمن هذا الإطار الوظيفي، يبقى في موقعه الصحيح: أداة إدراك تُرشد الحياة، وحارسًا للحدود عند الاختلال، لا قالبًا جامدًا يُختزل فيه تنوع الواقع الإنساني، وعدسة فاحصة تتدخل في كل تفاصيل الحياة فتضيق واسعها. فالمشكلة لم تنشأ من وجود الحكم، وإنما من حصر الفقه في صورته القانونية الضيقة، ونقل أحكام وُضعت لضبط النزاع إلى مجال إدارة الحياة اليومية بكل تفاصيلها.

وهكذا؛ حين يعود الفهم إلى سننية التنوع التي كشفها القرآن، يستعيد الفقه معناه الأصيل بوصفه فقهًا للحياة قبل أن يكون فقهًا للنزاع، وتستعيد الأسرة وظيفتها الطبيعية بيئةً للرعاية والمسؤولية المشتركة؛ حيث تُدار العلاقات بالقيم في أوقاتها الهادئة، ويُحتكم إلى القانون عندما تختل هذه القيم أو تتصادم المصالح.

04/04/2026

Scroll to Top