صداقة الفكر بين الوعي والخذلان
أيمن قاسم الرفاعي
جميعُ الذين قابلتُهم في طريقي، وكان فيهم وميضُ فكرٍ أو شرارة روحٍ تبحث عن ضوءها، كانوا يشكون الأمر ذاته: “تعبت!! أريد صديقٍ يشبهني، تأنس به الروح قبل العين، لكني لم أجد”.
المفارقة أنّ الذين وجدوا هذا الصديق حقاً في طريقهم، لم يلبثوا طويلًا حتى ابتعدوا عنه؛ لا لأنّه أقلّ فهمًا أو عمقًا، بل لأنّهم أرادوه حقيقة أكبر من ذاته كإنسان، لكنهم وللأسف وجدوه أنه مجرد إنسان يشبههم تماماً. رفعوه إلى مقامٍ المثال، ثم خذلتهم تصوارتهم المثالية أمام بشريّته حين ظهرت كما هي.
والمفارقة الأكبر لي أني كنت ذلك الشخص تماماً من قبل، حين كتبت ذات يوم منذ 15 عاماً:
“ويحَ فصولِ الحياة ما أقساها.. تمنحنا الأصحاب كما أوراق الأشجار،تأتي بها براعمُ الربيع فرادى بعد مكابدةِ الصقيع ووخزِ جليده،ثم لا تلبث أن تغطّينا نحن وما نحمله من ثمار. حتى إذا ما انتهى صيفٌ مثمرٌ وأتى الخريف،هوت وتساقطت جملةً واحدة”.
وحقيقة أدركت متاخراً بعد طول تأملٍ؛ أنّ الصداقات التي تولد من بوتقة الفكر لا رحم المعايشة، تمرّ بمواسم أربع، وكأنّها فصول الحياة ذاتها: الدهشة، الألفة، الفتور، ثم القطعية “إلا من رحم ربي”:
- الدهشة وربيع اللقاء
في البداية، تنبت الصداقة كما تنبت براعم الربيع بعد شتاءٍ طويل من وحشة برد الوحدة ووخز صقيع الرهبة. إن دهشةُ نمو البراعم الملونة النابضة بالحياة على خلفية الشتاء الرمادية الشاحبة، هي لحظة فارقة تُغري القلب المفعم بالتوق للتحليق بأجنحة نشوة البدايات.
الدهشة ليست إعجابًا عابرًا، بل هي اللحظة التي يلتقي فيها الداخل بالداخل، حيث يرى المرء في الآخر ما كان يبحث عنه في نفسه: فكرًا، حدسًا، أو حسًّا أخلاقيًا نادرًا. هذه اللحظة ليست ولادة صداقة بقدر ما هي صدى الروح لشيء مألوف لم تلتقطه من قبل.
من الناحية النفسية، الدهشة تُنشئ وهم المرايا: حيث نرى في الآخر أفضل ما فينا، لا أفضل ما فيه. فنرفعه إلى مقام غير إنساني، مقام التوقع المطلق، و”الأخ المثالي”، و”الذات الأخرى”.
وللأسف أن كل علاقة تُبنى على إسقاطاتنا لا على حقيقتها، تولد وفي قلبها بذرة انكسارٍ مؤجل.
الدهشة لحظة “ظهور”، لا “تحقق”. إنها تبشير لا حقيقة، ومقدمة لا نتيجة. ومن يظنّ أنّ الدهشة هي الصداقة ذاتها، يرتكب خطأً معرفيًا قاتلًا: يؤمن بالصورة قبل الإنسان.
هذه الدهشة، والتي مهما أضاءت سماء النفس، تبقى لحظة عابرة من وهم الكمال، لا نرى فيها الصديق بل انعكاس الرغبة الكامنة في أنفسنا عليه.
- الألفة وصيف الثمار
ثمّ يأتي موسم الدفء، حيث الألفة تُزهّر وتثمر. يتحوّل الإعجاب إلى مشاركةٍ صادقة، وتنمو بين الطرفين عادة اللقاء وحميمية الفهم. غير أنّ هذا الصيف يحمل في جوفه بذرة ذبوله؛ فمع كلّ اقترابٍ، تتعرّى التفاصيل الصغيرة التي كانت تستتر بضوء الدهشة، فيبدأ كلٌّ يرى الآخر كما هو، لا كما أراد له أن يكون.
الألفة هي المرحلة التي تنهار فيها الصورة ويبدأ ظهور الوجه. هنا يظهر «الإنسان» خلف «الفكرة»، وتبدأ الروح في اختبار ما إذا كانت المحبة ستبقى بعد انطفاء الانبهار.
على المستوى النفسي، الألفة تكشف ثلاثة أمور:
- الحدود الإنسانية: مزاج، ضعف، اختلاف في الإيقاع.
- الحاجات العميقة: من يريد الاعتراف؟ من يريد الدعم؟ من يريد السكينة؟
- الواجبات المتبادلة: من يُعطي؟ من يأخذ؟ من يتعب؟ من يصبر؟
الألفة ليست عسلًا، بل مختبرًا نفسيًا، وهي مرحلة تكشف إن كنا نبحث عن إنسان أم عن مرآ، من يصمد فيها هو من يتعامل مع العلاقة بوصفها معايشة، لا بوصفها حلمًا.
الألفة هي السنة التي تميّز بين الظنّ والحق، بين الإعجاب والمعرفة، هي لحظة الحقيقة التي تقيس هل العلاقة قابلة للصيرورة أم محكومة بالذوبان.
- الفتور وخريف الصورة
حين تهدأ عاصفة الشمس الساطعة، ويخبو البريق، يبدأ الخريف. تتساقط الكلمات كما تتساقط الأوراق اليابسة، ويُصبح الصمت أكثر حضورًا من الكلام. هنا يكتشف القلب أنّه لم يكن يحبّ الصديق بقدر ما كان يحبّ الصورة التي كوّنها عنه. الفتور إذًا ليس موتًا، بل تعبُ الخيال من حمل ما لا يستطيع الواقع احتماله.
الفتور ليس برودًا عاطفيًا، بل عملية طبيعية لانكسار الوهم. إنه لحظة مواجهة مؤلمة: هذا الإنسان ليس المثال الذي صنعته في خيالي… ولا أنا ذلك المثالي في خياله.
نفسيًا: الفتور يكشف ما نحاول الهرب منه:
- هشاشتنا في التوقع،
- حاجتنا للتماثل،
- خوفنا من خيبة تشبه خيبات الماضي.
ولذلك الفتور ليس كراهية، بل دفاع نفسي عن التوقع المجروح. إنه صمتٌ يحمي ما تبقى من الصورة حتى لا تُهان أكثر.
الفتور هو اللحظة التي يكتشف فيها العقل أن الروح بالغت في الوعد. فيه يُعاد تعريف العلاقة على أسس وجودية واقعية: هل أقبل هذا الإنسان كما هو؟ أم كنتُ أحبّ ظلي عليه؟
الفتور هو مرحلة تفكيك الصورة، وظهور سننية الأصل: لا يبقى إلا ما كان صادقًا، وما كان وهمًا يجب أن يسقط ليسقط معه العبء.
- القطيعة وشتاء النضوج
ثم يأتي الشتاء: صمتٌ بارد، فراغٌ نبيل، وانسحابٌ بلا صخب. لا خيانة، لا عتاب، فقط إدراكٌ متأخر بأنّ الصداقة كانت درسًا في حدود الإنسان. نغادرها وقد خسرنا شيئًا من دهشتنا الأولى، وربحنا شيئًا من حكمتنا الأخيرة.
القطيعة ليست قرارًا، بل نضوج قاسٍ يختار الصمت على التشويش. هي اعتراف متأخر بأن العلاقة لم تكن تحمل وقودها الحقيقي.
نفسيًا: القطيعة هي لحظة تحرر من وهم التماثل، ومن حاجة غير واقعية أن يُكملنا الآخر.
إنها شفاء صامت، يترك مساحة في الداخل لولادة علاقات أكثر صدقًا.
وليست القطيعة «عقوبة»، بل:
- إراحة للروح،
- ردّ اعتبار للإنسانية،
- وعودة لكل طرف إلى مركزه الداخلي. القطيعة ليست موت علاقة، بل نهاية طورٍ من الوعي.
تعلّمنا أنّ الحبّ العميق لا يقوم على صورة، وأن الصداقة الحقيقية لا تُصنع من توافق الأفكار بل من نبل النوايا وصدق القبول.
القطيعة هي سنة «التمييز»، حيث ينجو ما كان أصيلًا، ويتلاشى ما كان مبنيًا على الوهم. ومن بلغ هذا الشتاء بحق، لا يخرج منه إلا وقد عرف نفسه أكثر مما عرف الآخر.
خاتمة: ما بعد الفصول
العلاقات التي تقوم على الإعجاب تذبل حين ينتهي الانبهار، أمّا التي تقوم على الفهم فتبقى رغم تغيّر الفصول.
الصداقة ليست أن نجد من يشبهنا، بل أن نُحبّ من يختلف عنّا دون أن نحاول إصلاحه على صورتنا.
حين نبلغ هذا النضج، نصير قادرين على أن نرى في الآخر إنسانًا، لا مرآةً لأنفسنا، ونُدرك أنّ الدهشة الأولى لم تكن خطأً… بل كانت الطريق إلى القبول الحقيقيّ.
العلاقات التي تقوم على الدهشة تذبل، والتي تقوم على المعايشة تنمو، والتي تقوم على الاحترام تبقى،
والتي تقوم على القبول تُثمر. الصداقة الفكرية ليست بحثًا عن نسخة منا، بل اختبارٌ لصبرنا على اختلاف من يشبهنا ظاهريًا ويخالفنا جوهريًا.
وفي النهاية… الدهشة كانت برعمًا، والألفة زهرة، والفتور ورقة ذابلة، والقطيعة شتاءً لا بد منه، لكن القبول والتصالح مع الذات والإنسان فينا… هو الربيع الذي لا يفنى.
الدوحة 03/12/2025








