[rank_math_breadcrumb]

الدراما والقرآن: قراءة بارادايمية في سننية السرد

الدراما والقرآن: قراءة بارادايمية في سننية السرد

أيمن قاسم الرفاعي

في محاضرة للكاتب والشاعر القطري د. مرزوق بشير بن مرزوق ضمن فعاليات معرض الدوحة الدولي للكتاب 2026 بعنوان «الوظائف الثقافية للدراما»، طرح سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يمسّ واحدة من أعمق القضايا المتعلقة بالوعي الإنساني وصناعة الثقافة: لماذا بنى الإغريق القدماء – بكل ما امتلكوه من فلسفة وحكمة – مسارح ضخمة تتسع لآلاف المتفرجين؟ أما كان يكفيهم أفلاطون وأرسطو يلقيان دروسهما في الساحات والميادين؟

هذا السؤال أعاد إلى ذهني تساؤلًا قديمًا يتصل بالقرآن نفسه، وبالكيفية التي خاطب بها الوعي الإنساني، لا بوصفه عقلًا مجرّدًا يتلقى المعلومات، وإنما بوصفه كائنًا يتشكل بالتجربة، ويتفاعل مع الصورة، ويتحوّل عبر التمثّل الوجداني العميق.

فالقرآن لم يأتِ كتاب “تعاليم” بالمعنى المدرسي الضيق الذي نعرفه اليوم. ولو أراد الله مجرد تلقين الأحكام وصياغة التشريعات في صورة قانونية جافة، لأمكن جمع معظم الأحكام في صفحات معدودة، كما تفعل الدساتير أو المدونات القانونية الحديثة. لكن القرآن اختار طريقًا آخر أكثر اتصالًا ببنية الإنسان نفسها: اختار الحركة، والصراع، والزمن، والانفعال، والسرد، والرمز، والتجربة الإنسانية الحيّة.

من هنا نفهم لماذا امتلأ القرآن بالقصص، حتى أصبحت القصة أحد أعمدة بنائه المعرفي والتربوي:

يوسف ليس حكاية عن فتى أُلقي في الجب، وإنما تجربة كاملة عن الحسد، والافتتان، والعزلة، وإدارة الألم، وإعادة بناء الذات، والتحول من الانكسار إلى التمكين.  وموسى ليس مجرد نبي واجه فرعون، وإنما مسرح واسع للخوف، والتردد، والنجاة، والسلطة، والطغيان، وتحرير الإنسان من الاستعباد النفسي قبل السياسي.  وإبراهيم يتحرك داخل القرآن بوصفه عقلًا يسائل العالم، ويكسر أصنامه الفكرية قبل الحجرية، ويخوض رحلته الوجودية بحثًا عن اليقين.  ويونس يعيش تجربة العتمة الكاملة؛ عتمة النفس، وعتمة البحر، وعتمة اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان هشاشته أمام قدر الله.  أما سيرة النبي محمد ﷺ، فقد جاءت في القرآن موزعة على مسرح الحياة كله؛ خوفًا، وهجرةً، وانكسارًا، ونصرًا، وجدالًا، وصبرًا، وبناءً للإنسان والجماعة والعمران.

لهذا لا “يشرح” القرآن الصبر بالطريقة الوعظية المباشرة، وإنما يجعلك تعيشه مع يعقوب وهو يقول: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. ولا يعرّف الطغيان والاستبداد بوصفهما مفهومين نظريين، وإنما يجعلك ترى فرعون يتحرك ويتكلم ويخاف ويبطش ويكذب ويستعبد الناس باسم القوة والمعرفة والسلطة. ولا يقدّم درسًا تجريديًا عن الفتنة أو البطر أو النقص، وإنما يضع الإنسان داخل التجربة حتى يشعر بحرارتها في نفسه.

وهنا تتجلّى سنة شديدة العمق في التلقي الإنساني:  الإنسان يتشكل غالبًا بما يعيشه تخييليًا في وعيه أكثر مما يحفظه ذهنيًا. إنه يتأثر بالصورة المتحركة داخل وجدانه، وبالرحلة التي يدخلها مع أبطال القصة، وبالألم الذي يمرّ به معهم، وبالخوف، والانتصار، والانكسار، والرجاء.

ولهذا كانت القصة في القرآن أداة سننية لصناعة الوعي وتشكيل نموذج الإدراك نفسه، لا مجرد زينة بلاغية أو وسيلة للتسلية الوعظية.  القصة تنقل الفكرة من مستوى “المعلومة” إلى مستوى “التمثل الوجودي”.  وهذا ما يفسّر قدرة الدراما الحقيقية على إعادة تشكيل الإنسان والمجتمعات عبر الأجيال.

الدراما ليست حدثًا ترفيهيًا عابرًا كما يتصور كثيرون، وإنما أداة ثقافية عميقة تمارس فعلها داخل البنية النفسية والاجتماعية للأفراد. ولهذا بنت الحضارات الكبرى مسارحها، وخلّدت قصصها، وحفظت ذاكرتها عبر السرد، لأن الإنسان لا يورّث وعيه بالكلمات وحدها، وإنما بالمشاركة الشعورية في التجارب الكبرى.

لكن القرآن – في الوقت نفسه – كان واعيًا للخطر الكامن في هذا الباب نفسه. لأن القصة قد تتحول إلى وسيلة هداية، وقد تتحول أيضًا إلى أداة ضخمة لتخدير الوعي وصناعة التيه.  ولهذا تحدث القرآن عن: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6]. وتحدث عن الذين واجهوا الوحي بقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. كما كشف كيف يمكن للرموز والصور والأسماء أن تتحول مع الزمن إلى سجون للوعي حين قال: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23]. هنا لا يعود الحديث عن أصنام حجرية فحسب، وإنما عن قابلية الإنسان لتحويل الرمز إلى سلطة مغلقة على العقل، وتحويل الحكاية إلى ميراث يمنع السؤال، ويعطّل السنن، ويحبس الوعي داخل مخيال منفصل عن الواقع.

ومن هنا يظهر الخطر حين تنفصل الدراما عن الإنسان والسنن والحقيقة، وتتحول إلى “أسطرة” مستمرة للحياة.  عندها يصبح الإنسان مستهلكًا للخيال بدل أن يكون فاعلًا في الواقع.  يعيش ألف تجربة متخيلة، لكنه يعجز عن خوض تجربة حقيقية واحدة.  يتضخم الشعور داخله بينما تضمر الإرادة،  يتحول الألم إلى مادة استهلاك، والحب إلى صورة قابلة للبيع، والبطولة إلى مؤثرات وخوارق، والحياة كلها إلى فرجة متصلة تستنزف الوعي دون أن تبني العمران.

ولهذا يبدو القرآن شديد الاقتصاد في الخيال المنفصل عن السنن، وشديد الارتباط بالحركة الإنسانية الواقعية.  حتى القصص التي تحمل بعدًا إعجازيًا أو غيبيًا، تبقى مرتبطة بقوانين النفس والاجتماع والتاريخ، وتعود دائمًا إلى سؤال الفعل والمسؤولية والاستخلاف.  فالقرآن لا يريد من الإنسان أن يندهش فقط… وإنما أن يتحرك.  ولا يريد له أن يغرق في السرد… وإنما أن يبصر موقعه داخل القصة الكبرى للحياة.

ومن هنا يمكن فهم الفارق العميق بين الدراما التي تبني الوعي والعمران، والدراما التي تبني الوهم والإدمان؛  الأولى توقظ الإنسان ليرى نفسه والعالم بصورة أعمق،  أما الثانية فتمنحه حياة بديلة يعيشها في الخيال حتى يفقد قدرته على صناعة حياته الحقيقية.

 

الدوحة 17/05/2026

Scroll to Top