[rank_math_breadcrumb]

جلجلة الخلاص؛ شيء من عبثية التعليم

جلجلة الخلاص؛ شيء من عبثية التعليم

أيمن قاسم الرفاعي

في كل عام تقريبًا تتكرر الصورة ذاتها. أطفال يخرجون من مدارسهم في آخر يوم دراسي، يركضون في الشوارع بفرح صاخب، وتتطاير حولهم صفحات الكتب الممزقة كأنها أسراب حمائم بيضاء حررت من أقفاص سجنت فيها لمثل هذا اليوم فحسب. مشهد يثير ابتسامة عند بعض الناس، ويثير غضبًا عند آخرين، ويترك لدى قلة شعورًا بالحيرة.

الحيرة هنا أهم من الغضب. فخلف هذه الأوراق المبعثرة تختبئ مفارقة تستحق التأمل.

نحن ننفق أعمارًا كاملة في الحديث عن التعليم. بناء المدارس، وتخصيص الميزانيات، وإطلق المبادرات، واستنهاض المجتمعات من أجل توفير مقعد دراسي وكتاب ومعلم ومنهج وبيئة آمنة للتعلم. وفي البلدان التي خرجت من الحروب، كما هو حال سوريا اليوم، يتحول التعليم إلى قضية وجودية تكاد توازي الخبز والماء والأمن. فالجميع يتحدث عن إعادة بناء المدارس، وإعادة الأطفال إلى الصفوف، واستعادة العملية التعليمية بوصفها جزءًا من استعادة الحياة نفسها، والأمل الذي يعول عليه.

ثم يحدث شيء غريب. بعد كل هذا الجهد، وبعد كل هذه التضحيات، يقف الطفل في آخر يوم من العام الدراسي محتفلًا بالخلاص من الكتاب.

وكأن الرحلة التي كان يفترض أن تقوده إلى المعرفة انتهت عند لحظة التخلص من رمزها. هذه المفارقة لا تتعلق بالأطفال بقدر ما تتعلق بنا نحن كآباء ومعلمين ومسؤولين ومجتمع وحكومة.

فالأطفال غالبًا أكثر صدقًا من أن يجاملوا الأفكار الكبرى التي يصنعها الكبار. إنهم يعبرون عما يشعرون به مباشرة. وحين يحتفل طفل بانتهاء المدرسة أكثر مما يحتفل بما تعلمه فيها، فهناك سؤال يطرق الباب بإلحاح. أي تعليم هذا الذي نقضي حياتنا في بنائه؟

لقد أصبح التعليم الحديث، في كثير من صوره، مشروعًا بالغ الكفاءة في تنظيم (وإن شئت قلت قولبة) الإنسان. يعرف متى يحضر، وأين يجلس، ومتى يتحدث، ومتى يصمت، وما الذي ينبغي عليه حفظه، وكيف يجيب، ومتى ينجح، ومتى يفشل. سنوات طويلة من الجداول والاختبارات والتقييمات والشهادات، حتى يكاد الطفل يقضي معظم سنوات تشكل وعيه داخل منظومة مصممة بعناية لإنتاج فرد قادر على الاندماج في سوق العمل والمؤسسات الحديثة. ولا يبدو في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب ما دام العالم يحتاج إلى الأطباء والمهندسين والإداريين وسائر المهن.

لكن شيئًا من الروح يتسرب خارج الصورة. فالمعرفة التي كانت يومًا مغامرة إنسانية لفهم العالم وتطويره حتى بلغنا به ما نحن عليه اليوم، تتحول تدريجيًا إلى استحقاق وظيفي. والكتاب الذي كان نافذة على الحياة والحقيقة، يصبح وسيلة لعبور الامتحان. والسؤال الذي يولد من الدهشة يتحول إلى إجابة نموذجية محفوظة سلفًا.

وهكذا حين تغادر الروح، يبقى الهيكل. هيكل متقن أحيانًا، ناجح أحيانًا، وقادر على إنتاج المهارات المطلوبة، لكنه يترك خلفه إنسانًا يزداد تخصصًا ويزداد معه فقره المعرفي بالحياة. يعرف الكثير عن جزء صغير من العالم، ويكاد يفقد صلته بالصورة الكبرى. يمتلك مهارة تقنية مطلوبة، بينما تضمر لديه القدرة على التأمل والربط والتساؤل الحر، وبالتالي تضيع حتى قدرته على الإحسان في اتقان مهارته الأساسية.

لهذا تبدو صورة الكتاب الممزق أكثر عمقًا مما نظن. فالطفل لا يمزق المعرفة. إنه يمزق علاقة لم تنجح في أن تصبح جزءًا منه. يمزق تجربة شعر أنها فُرضت عليه أكثر مما نبتت داخله. يمزق سنة كاملة من الانتظار، لا سنة كاملة من الاكتشاف.

ولعل المشهد ذاته يتكرر بصورة أكثر أناقة عند أبواب الجامعات. هناك لا تتطاير صفحات الكتب في الشوارع، وإنما ترتفع قبعات التخرج في الهواء وسط التصفيق والاحتفال. ومع اختلاف التفاصيل، يبقى المعنى متقاربًا. انتهت المهمة. انتهت المرحلة. انتهى الحمل الذي كان ينبغي حمله. أما المعرفة نفسها، فكثيرًا ما تبقى خارج المشهد.

لقد نجح التعليم المعاصر في تحويل المعرفة إلى محطة عبور أكثر من كونها رفيقة عمر. وأصبحت الشهادة في وعي قطاعات واسعة من الناس أكثر أهمية من الرحلة التي أوصلت إليها. ولهذا لا يبدو غريبًا أن يقضي الإنسان عشرين عامًا في التعليم ثم يكتشف أن علاقته الحقيقية بالقراءة والتعلم انتهت يوم تخرج.

وفي زمن تتقدم فيه الآلات بوتيرة متسارعة، تبدو هذه المفارقة أكثر قسوة. فالآلة تستطيع أن تحفظ وتسترجع وتحلل وتنفذ كثيرًا من المهام التقنية بكفاءة مذهلة. وما كان يفترض أن يحمي الإنسان من الذوبان في عالم الآلة هو ذلك البعد الذي لا تستطيع الآلة امتلاكه: الفضول، والخيال، والحكمة، والقدرة على الربط بين المعارف، والشعور بالمعنى.

وهنا تحديدًا يصبح السؤال التربوي سؤالًا حضاريًا. لأن القضية لا تتعلق بعدد المدارس ولا بعدد الكتب ولا بعدد سنوات الدراسة. إنها تتعلق بالصورة التي نريد أن يخرج بها الإنسان من كل ذلك.

وحين أتأمل تلك الأوراق المتطايرة في آخر يوم دراسي، لا أشعر بالغضب من الأطفال. أشعر بشيء من الأسى على فكرة عظيمة أرهقناها بالأنظمة والإجراءات حتى فقدت بريقها ودهشتها، ففقدنا معها متعة توتر البدايات بريق المعرفة ودهشة السؤال.

وأتساءل في لحظة مسكوبة على رصيف هذا المشهد:

كم كتابًا قرأناه لأننا أحببناه؟ وكم كتابًا قرأناه لأن أحدهم طلب منا ذلك؟

كم معرفة سكنت أرواحنا؟ وكم معرفة غادرتنا فور انتهاء الامتحان؟

ربما لا يكون السؤال: كيف نمنع الطفل من تمزيق كتابه؟ ربما يكون السؤال الأجدر بالطرح: كيف نكتب كتابًا لا يشعر الطفل أنه ينتظر آخر يوم ليتخلص منه؟ وكيف نبني مدرسة تساعد الإنسان على اكتشاف ذاته والعالم، فلا يغادرها وهو يشعر أن أجمل ما فيها كان لحظة الخروج منها؟

 

25/05/2026

 

Scroll to Top