احذروا راسبوتين: حين يحكم رجال الظل بلا صفة
أيمن قاسم الرفاعي
في كل نظام سياسي، مهما بلغ رشده أو اضطربت بوصلته، توجد مساحة طبيعية للنصيحة والمشاورة والتأثير. لا يعمل الحاكم في فراغ، ولا يولد القرار العام دائمًا داخل الجدران الرسمية وحدها. حول كل سلطة آراء وخبرات ومصالح ودوائر ثقة وشخصيات قريبة ومراكز تقدير. هذه مساحة مألوفة في السياسة، وقد تكون عونًا للدولة حين تبقى في مقام الرأي، وتعرف حدودها، وتحفظ للمؤسسة اسمها وهيبتها. ومن هنا تبدأ ظاهرة رجال الظل في سوريا وغيرها من الدول، حين يتجاوز القرب حدود المشورة إلى نفوذ غير معلن.
متى يتحول القرب من السلطة إلى سلطة؟
تبدأ الخطورة حين يتحول القرب إلى سلطة، والثقة إلى تفويض، والعلاقة الشخصية إلى منصب غير معلن. عندها تتقدم إلى المشهد شخصيات لا تحمل صفة واضحة، لكنها تتحدث باسم القرار، تلمّح، توجه، تفاوض، تعد، تمنع، وتسمح. لا يعرف الناس من أين جاءت، وإلى من تعود، وبأي حق تتكلم. ومع الوقت لا يعود السؤال: ماذا قال القانون؟ بل: من يعرف الطريق إلى صاحب الظل؟
هنا تولد سلطة سائبة. سلطة لا توقّع الأوراق، لكنها تملي مضمونها. لا تجلس على كرسي الوزارة، لكنها تتحكم في باب الوزير. لا تظهر في الدستور، لكنها تتحرك في الممرات التي تسبق الدستور وتلتف عليه. لا تعلن أنها الدولة، لكنها توحي للناس أن الدولة تمر من خلالها.
وقد نبّه الفكر السياسي مبكرًا إلى أن السلطة حين تفارق القانون تفقد طمأنينتها الأخلاقية والمؤسسية؛ فمنذ قال جون لوك: “حيث ينتهي القانون يبدأ الطغيان”، ظلّ المعنى يتسع لكل قرار يخرج من وضوح الصفة إلى غموض النفوذ. وهذا ما يجليه تمييز ماكس فيبر بين سلطة القانون وسلطة العادة وسلطة الجاذبية الشخصية؛ فكلما ضعفت المؤسسة اتسعت مساحة الأشخاص، وكلما تراجع القانون تقدّم القرب، حتى تتحول الدولة من نظام مسؤول إلى شبكة نفوذ لا يعرف الناس فيها من يخاطبون، ولا من يسألون، ولا من يحاسبون.
راسبوتين وتاريخ رجال الظل
وليست هذه الظاهرة فكرة نظرية معلّقة في كتب السياسة؛ فقد عرفتها دول كثيرة حين تمددت الوجوه القريبة على حساب المؤسسات، ودفعت من استقرارها وشرعيتها ثمنًا باهظًا. في أواخر روسيا القيصرية لم يكن راسبوتين صاحب منصب، غير أن قربه من العائلة الحاكمة جعله رمزًا جارحًا لحكم بدا في أعين الناس أسيرًا لمن لا صفة له، فصار واحدًا من الخواصر الرخوة التي كشفت ضعف القيصرية قبل سقوطها. وعرفت الصين الإمبراطورية، كما عرفت السلطنة العثمانية في بعض لحظات ضعف المركز، تمدد الخصيان والحاشية حين ضاق حضور المؤسسة واتسعت سلطة القرب. وفي عالمنا القريب، تعرف سوريا من خبرتها المريرة كيف يمكن لشبكات العائلة والولاء والحاشية أن تزاحم الدولة، وأن تجعل الوطن يدفع ثمنًا قاسيًا حين تأتي لحظة الانكشاف.
هذه الأمثلة لا تقول إن كل قريب خطر، ولا إن كل مستشار باب فساد. السياسة تحتاج إلى عقلاء حولها، والحكم يحتاج إلى من يصدقون النصيحة. الخطر يبدأ عندما يغادر الناصح مقامه، ويتحول إلى بوابة لا يمر القرار إلا منها. وحين تصبح البوابة سلطة، تفقد الدولة جزءًا من وضوحها، ويبدأ الناس بالتعامل مع الإشاعة كأنها مرسوم، ومع القرب كأنه رتبة، ومع الهمس كأنه قانون.
قال اللورد أكتون إن السلطة تميل إلى الإفساد، والسلطة المطلقة تفسد على نحو مطلق. ويمكن أن نضيف من روح التجربة السياسية: إن السلطة الغامضة أشد إغراءً بالفساد، لأنها تمنح أثر القوة من غير كلفة الظهور، وتمنح لذة التأثير من غير عبء التوقيع. صاحب المنصب قد يُسأل يومًا عما فعل. أما صاحب النفوذ غير المعلن فيضغط من الخلف، ثم يترك الواجهة لغيره حين تأتي ساعة الحساب.
حين تصبح الممرات أقوى من المؤسسات
وتزداد خطورة الأمر حين يتعود المجتمع على أسماء لا صفة لها. “فلان قريب”، “فلان مسموع”، بهذه العبارات الصغيرة تتشكل دولة موازية في الوعي العام. لا تحتاج إلى جريدة رسمية، لأن الخوف ينشر أخبارها. ولا تحتاج إلى قرار تعيين، لأن الرهبة تمنحها ما يشبه الشرعية. ولا تحتاج إلى مكتب معلن، لأن الممرات تصبح مكاتبها الحقيقية.
هنا تتراجع الكفاءة في صمت. يدرك أصحاب الخبرة أن الطريق إلى القرار لا يمر عبر الفكرة الجيدة، ولا عبر المؤسسة المختصة، بل عبر شخص يعرف شخصًا. ينسحب بعضهم حفاظًا على كرامته، ويتعلم بعضهم لغة الممرات مضطرًا، ويصمت بعضهم لأنه لم يعد يعرف لمن يتحدث. وحين تصبح الممرات أقوى من المكاتب، والعلاقات أقوى من الاختصاص، والرضا الشخصي أقوى من النظام، لا تنهار الدولة دفعة واحدة، لكنها تفقد عقلها بالتدريج.
وقد التقطت حنّة آرندت جانبًا عميقًا من هذه المأساة حين تحدثت عن “حكم لا أحد”. ليست المشكلة دائمًا في وجود طاغية واضح تقف أمامه وتقول له: أنت المسؤول. أحيانًا تكون المأساة في سلطة موزعة بين وجوه لا تعلن نفسها، وأبواب لا تحمل أسماءها، وقرارات لا تجد لها صاحبًا. وحين لا يبقى أحد يمكن سؤاله، يغدو الظلم أثقل على الناس، لأنهم لا يعرفون أين يضعون شكواهم.
رجال الظل في التجربة السورية
ولأن الحديث عن الدولة في سوريا لا يمرّ فوق الجرح، ينبغي أن يقال برفق يليق ببلد دفع من روحه ثمنًا لا يقاس. فقد عرف السوريون، في ظل النظام البائد، كيف تُختطف الدولة حين تتقدم العائلة والحاشية والأجهزة وشبكات الولاء على المؤسسة والقانون، وكيف يصبح صاحب النفوذ أقوى من صاحب المنصب، وصوت الممرّ أعلى من صوت المسؤولية. لم تكن تلك المتلازمة خللًا عابرًا؛ كانت بنية أضعفت الدولة، ومزقت المجتمع، وفتحت باب المأساة على ملايين الأرواح الطاهرة بين قتل واعتقال وتهجير وكسور لا ترى.
كيف تتعافى الدولة من إرث الظل؟
لهذا لا يكون نقد رجال الظل معركة أسماء، ولا بابًا للتخوين، ولا كسرًا لثقة ناشئة يحتاجها السوريون. غايته أن تتعافى الدولة من إرث الظل، وأن يعود القرار إلى اسمه، والمسؤول إلى موقعه، والمؤسسة إلى اعتبارها، والقانون إلى حضوره، حتى لا تتكرر المأساة بأقنعة جديدة.
في اللحظات الانتقالية تكثر الظلال؛ فالبلاد المتعبة تطلب السرعة، والناس يطلبون الأمان، والخوف من الفراغ يدفع الجميع إلى قبول ترتيبات مؤقتة. غير أن المؤقت إذا طال صار عرفًا، والعرف إذا استقر صار بنية. لذلك يكون الإصلاح ترتيبًا حانيًا للبيت العام، وحماية للثورة من أن ترث ما ثارت عليه في صورة أخف أو اسم ألطف.
من ينصح فليُعرف رأيه بوصفه رأيًا، ومن يقرر فليحمل صفة القرار، ومن يؤثر في مصائر الناس فليظهر في موضع المسؤولية. فالدولة الرشيدة لا تضيق بالنصيحة ولا تستغني عن أهل الرأي، لكنها تخاف من سلطة لا اسم لها، ونفوذ لا صفة له، وقرار لا يعرف الناس مصدره. وحين يكثر الغموض تكثر الريبة، وحين تكثر الريبة يتعب الناس من الدولة، وتتعب الدولة من الناس.
في السياسة كما في الأخلاق، يحتاج العدل إلى طريق واضح، ويحتاج الحق إلى وجه مسؤول، وتحتاج الدولة إلى أسماء تقف حيث تقف القرارات. وما لم تعد السياسة إلى وضوح الصفة وحدود المسؤولية، سيبقى الوطن مهددًا بأن يُدار من خلف ستاره، وأن يدفع الناس ثمن سلطة لا يعرفون كيف وُلدت، ولا من يحاسبونها إذا أخطأت.
06/06/2026
روابط إلى مقال سابق ذي علاقة:
غسيل السمعة… حين يرتدي الخير قناع النفوذ









