[rank_math_breadcrumb]
جدتي وحكاية صندوق خشب الجوز المصدّف
(جزء 2 – حكاية عن المرأة والحشمة والحجاب)
وضعتُ الهاتف جانبًا، كمن يضع حجرًا ساخنًا لا يعرف من أين يمسكه.
كانت التعليقات ما تزال تتكاثر على وجه مقال: “صكّت جدتي خدّها… وتمتمت”، وفي صفحات أخرى أيضًا، وهذا هو الغريب.
بعضها مرّ كنسيم سلام فهم الحكاية ودعا لصاحبتها، وبعضها مرّ كحجارة غاضبة ظنّت أنها تصفع الماء، فإذا بها لا تفعل أكثر من أن تكشف اضطراب اليد التي رمتها. أما الرسائل الخاصة، فجاءت كزجاجات معتمة؛ تحكي أصحابها قبل أن تناقش الحكاية.
كأن الحكاية لم تلمس الإيمان والبصيرة، بل لمست خوفًا قديمًا من وجوه الأمهات والنساء؛ خوفًا يفرح حين يُسمّى غيرة، ويغضب حين يُكشف بوصفه وصاية.
حملتُ جعبتي تلك من التعليقات والرسائل والمنشورات، وقمت إلى الزاوية التي كان فيها صندوق قديم من خشب الجوز المصدّف.
كان صندوقًا صامتًا، لكن حضوره الطويل جعله جزءًا من هندسة البيت. لا نكاد نراه من فرط ما اعتدنا وجوده، حتى إننا في المرة الوحيدة التي غيّرنا مكانه، صرنا نشعر أن الأرض تميد تحت أقدامنا كلما دخلنا ولم نجده هناك.
مسحتُ عنه الغبار وحاولت فتحه، فلم يعلق بكفّي سوى غبار عراقة، ورائحة غار، ومسك طهارة، وصرير مفصلات الغطاء يروي أسماء من عاشت حواراتهم في جوفه.
وانتبهتُ إلى صدى صوتها مع ذلك الصرير:
” دير بالك يا ستي… بعمرك لا تفتح صندوقًا مغلقًا لتفتش. افتحه لتفهم. الحقيقة لا تعطي سرّها لأصحاب الاتهام”.
كانت ثيابها وشالاتها ومناديلها هاجعة حيية، كعروس خافرة الطرف يوم زفافها.
ثوب صلاة مطوي بعناية كسجدة عابد. أفزعني صوت بياضه وهو يفيض بالسلام عليّ ممن تجلّى في قلب صاحبته عمرًا، فما فاض إلا حياة وحياء.
ناداني منديل السوق بصوتها الراجع: “لساتها طرقات البلد وبيوت الحارة على طهارتها يا ستي… لسا الخباز بيعجن طحينه بماء التقوى، والدكنجي ميزانه يعرف المحتاج قبل أن يعرف الحساب”
تمتمتُ في سري: لو كانت الحشمة خوفًا من الناس، لما عرفتِ كل هؤلاء يا ستي.
ثم انبرى شال الزيارات يخاطبني بغيرة الأنثى من المنديل، وفي طرفه رائحة قهوة الصباح وعتاب نساء يعرفن كيف يخاصمن ساعة، ثم يتقاسمن (طبق المفركة) عند الظهيرة. كأن كل غرزة فيه نقشٌ صغير لخريطة سلام ومحبة لا تخاف الناس ولا تخيفهم.
أما عباءة العزاء، المطرزة بسواد ثقل المواساة، فقد همست لي ببحة جدتي:
“الحياة بدها أهلها لتعمر يا ستي. لذلك جعل الله النهار معاشًا، وجعل النوم بليل البرزخ صورةً من معنى الليل لباسًا. فبعمرك لا تفتش عن اللون وحده، فتفقد البوصلة. السواد إذا عزّى القلب كان رحمة، أما إذا أُلبست به الحياة كلها، صار كفنًا على هيئة دين”.
برز لي ثوب الفرح والعيد راقصًا، يغني بألوان خيوطه المطرزة بحياء الأنوثة، كأن حتى الفرح عندها كان محتشمًا، لكنه لم يكن معتذرًا عن نفسه.
سألتُ هذه الثياب وتنوعها: أيكن يا ترى كان لباس جدتي الشرعي؟
لم أجد في صندوق جدتي لباسًا شرعيًا واحدًا؛ وجدت شرعًا يعرف أن للحياة أبوابًا كثيرة، فيصون الحياة خلفها بدل أن يوصدها.
لمع في عيني، المغرورقة بدمعِ “باخعٍ نفسه”، بريق خيوط الذهب التي تطرز الشهادتين على حقيبة مخمل أخضر، تلفّ المصحف في وقار كفّي من طرزها.
لم يكن خط الشهادتين ملتفًا كسوط أو حبل قيد، بل جاء متناغمًا منثنيًا، كتراقص الخير على الأشجار والسنابل في وجه الريح، وكأن المعنى ينثني على سبع مثان.
ولم يكن المصحف موضوعًا في الواجهة كخصومة، بل كان مستغرقًا بين الثياب، كنقطة مركز تحيط بها دائرة الحياة.
لم أعرف لماذا تذكرتُ تلك الجملة الغاضبة: “نترك قال الله وقال الرسول ونرد عليك وعلى ستك؟”
نظرت إلى المصحف وابتسمت بحزن من “ذهبت نفسه عليهم حسرات”.
لقد كان هناك، في صندوقها، منطويًا على المعنى، قبل أن يفتش عنه الغاضبون في صريح العبارة. كان في مركز حشمتها وفهمها قبل أن يصير مادة لخصومة طفحت بها كتابات من ضاقت نفوسهم قبل علمهم.
كان في يدها حين تقرأ، وفي حيائها حين تمشي، وفي لقمتها حين تطعم، وفي لسانها حين تحفظ بيتًا وجارةً وفقيرًا وعيبًا لا تحب أن يراه الناس.
من ظنّ أن جدتي بديل عن النص، لم يعرف يومًا كيف تُبنى البيوت حقًا على المعنى.
قرب المصحف وجدت مرآة صغيرة. لا تصلح لصالونات الترف، لكنها تكفي امرأة لتعدل حشمتها، أو تنظر في صدق عينيها قبل أن تخرج إلى الناس.
كانت مرآة حياة تعرف أن الوجه ليس خطيئة، وأن الحياء لا يبدأ من كراهية الإنسان لصورته.
وجاور المرآة مرود إثمد ومشط خشبي تكسر بعض أسنانه. ضحكت وحدي.
كانا قريبين من المصحف، ولم تحدث بينهم معركة، بل كان هناك نسق انسجام مع الحياة يضبطه المصحف، ويسير فيه الإنسان متصالحًا مع ذاته، قريبًا من ربه.
تحت حقيبة المصحف، وجدت دفترًا قديمًا بورق مصفر، وخط يميل قليلًا كمن يكتب على ضوء قنديل.
قيل لنا يومًا إنه من آثار جدّ جدتي، إمام القرية وخطيبها في زمانه.
قلبتُ صفحاته بحذر.
لم أجد فيه فتوى تنتقص النساء أو حشمتهن. وجدت كلمات عن الصلاة، والصدق، وإصلاح ذات البين، وحق الجار، وخوف الله في الضعيف. والمفارقة أن الخطاب كان للاثنين، الرجل والمرأة، بلا تمييز.
وجدت دينًا يبدأ من القلب واللسان واليد، وينشد العمران والاستخلاف في الأرض، قبل أن يفتش في لون ثوب المؤمن وهيئته.
ولم تقع عيني إلا على تحذير واحد لمحته: حديثٌ شريف عن “راية عَميّة”، وعن دعاة لا تعرف وجوههم، يلبسون الحق ليغلّفون غاياتهم المخبوءة بوسائل من نسغ العسل مع السم.
عندها تذكرت عبارة أخرى مرّت في التعليقات: “الحق حق ولو جاء من شيطان.”
نظرتُ إلى الصندوق كأنني أستجدي جدتي جوابًا يبوح به صندوقها. لم يقل الصندوق شيئًا.
لكن نور ذهب المعنى المشعّ من المصحف في حقيبته المطرزة كان كافيًا ليذكرني أن الشيطان لم يأتِ آدم بباطلٍ عارٍ.
لم يقل له: تعالَ إلى المعصية.
قال له: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى.
دخل من باب النصيحة.
ومنذ ذلك اليوم، صار أخطر الباطل ما جاء بوجه ناصح، وأخطر استعمال للحق ما أخرجه من الرحمة إلى محاكمة الناس.
ليست المشكلة في كلمة الستر، على أي وجه كانت.
ولا في عفيفة اختارت النقاب أو السواد بقلب مطمئن، حرّ الاختيار.
ولا في الحياء حين يكون نورًا يسبق صاحبه.
المشكلة حين تأتي فكرة من مجهول بلا وجه واضح، تحمل قماشًا واحدًا وزيًا واحدًا لم يبدأ من قاعدة “أدنى أن يعرفن فلا يؤذين”، ثم تقف على باب الذاكرة كلها، وتسأل نساءنا الستيرات كلهن: أين كانت حشمتكن قبل أن نصل؟
وتسائل رجالنا قبلهن عن معنى الرجولة قبل الدين.
لذا صكّت جدتي خدها. ولم تكن صكّةً لأن امرأة سترت نفسها.
في زاوية الصندوق كانت ثمة مسبحة من بذور الزيتون.
أخذتها، فمرّت حباتها بين أصابعي، حبة وراء حبة.
كل حبة كأنها تقول لي بوقار الشجرة المباركة:
لا ترفع صوتك.
ولُذ بالذكر.
فالذي يملك المعنى لا يحتاج إلى الصراخ.
وضعت المصحف في حقيبته المطرزة، وأعدت كل شيء إلى مكانه.
أغلقت الصندوق بهدوءٍ وخشوعٍ، رهبةً من امرأة كاملة بشخصها وإيمانها، كانت أثرى في عقلي من مدرستي وجامعتي وشهاداتي.
امرأة تعرف كيف تحضر بلا ابتذال، وكيف تستتر بلا أن تُمحى.
تعرف أن للصلاة ثوبها، وللسوق منديله، وللعزاء عباءته، وللفرح لونه، وللوجه كرامته، وللنص رحمته.
امرأة حضرت في حياة رجالها، فخلّفت فيهم معنى أعظم مما لو لم تكن يومًا.
قبّلت الصندوق بدمعة نزّت بمرارة اختلطت عليّ.
لأنه، ومنذ لم تعد صاحبته تفتحه بيدها منذ سنوات طوال، صار الصندوق في حياتنا أكثر قدرة على الكلام.
12/06/2026
Scroll to Top