[rank_math_breadcrumb]

حكاية – أغراك بالبخل من أغراك بالكرم

حكاية – أغراك بالبخل من أغراك بالكرم

الفلسفة الحكائية

أيمن قاسم الرفاعي

اعتاد أبي أن يخرج آخر الليل ليضع للكلب عشاءه، لا من باب الرفاهية، بل من باب عدلٍ يتذكّر صاحبه بعد أن ينام الجميع.

يرمي له كسرة خبز مغموسة بمرق الفاصولياء، ويقول كمن يسدّد دَينًا قديمًا:

هذا حارس البيت والحلال، له علينا حق.

ثم يلتفت إلينا كأنه يخطب في مجلس قبيلة:

بس لا تدللوه كثير… فالكلب يظل كلبًا.

كنت صغيرًا، ولم أفهم يومها كيف يكون له علينا حق، ثم يبقى اسمه شتيمة جاهزة. كيف يحرس الباب، ويسهر على الخوف، ويشمّ الغريب قبل أن يصل إلى عتبة الدار، ثم إذا أرادوا أن يصفوا رجلًا بالسقوط قالوا: كلب.

كبرت قليلًا، وكبرت المسألة معي.

في إحدى ليالي الشتاء، سمعنا هرجًا عند حظيرة الغنم. خرج أبي بعصاه، وخرجنا وراءه بأصوات أكبر من شجاعتنا. كان الكلب ينبح نباحًا ممزقًا، لا يشبه نباحه المعتاد على القطط والحمير والمتطفلين من أبناء الجيران. كان ينبح بأنين، كما لو أنه يوقّع بدمه على خبر عاجل.

وجدناه عند طرف الحظيرة؛ صدره مخدوش، وأذنه دامية، وعينه معلّقة بالعتمة. أما الغنم فكانت متجمعة في زاوية واحدة، كأن الخوف علّمها فن هندسة الحماية.

قال أبي: ذيب.

قالها بنبرة غريبة. رغم الفاجعة، لم تكن نبرة غضب خالص، بل كان فيها شيء من الاحترام. كأن الحيوان الذي جاء ليأكل رزقنا صار فجأة ضيفًا عظيمًا لأنه جاء بأنياب كبيرة.

قال جارنا أبو محمود، وهو يشد عباءته على كتفه، وقد أخرجته أصوات الهرج والمرج قلقًا:

الذئب ما بينلام… جوعان بهالشتا.

نظر أبي إلى الكلب، وفي صوته لوم وأسف:

وهذا؟ مو جوعان للراحة؟!

لم يجبه أحد.

كان الذئب قد أخذ حملًا صغيرًا وفرّ. أخذ لحمًا دافئًا، وترك لنا الليل كله ببرد سهره. أما الكلب فقد بقي هناك، يلهث، كأنه يعتذر لأنه لم يمنع الخسارة كاملة.

اقتربت منه، فهز ذيله بصعوبة. هزّه لا لأنه لم يتألم، بل لأنه رأى وجهًا يألفه. عجيب هذا الكائن؛ حتى وهو مجروح لا يريد أن يضيف إلى وجعك وجعه.

قال أبو محمود:

والله كلبكم أصيل.

ضحك رجل من طرف الجمع، كان قد انضم إلى الجلبة مع الجيران:

أصيل؟ قول كلب والسلام.

هنا رأيت شيئًا لم أره من قبل. رأيت كيف تأكل اللغة حقّ المخلص مرتين: مرة حين يتعب في صمت، ومرة حين يُذكر اسمه كإهانة.

في الصباح، انتشرت الحكاية في القرية. لم يقولوا: الكلب أنقذ القطيع. قالوا: البارحة سطا ذيب على حظيرة أبي سالم، أخذ كبشًا وهشم الكلب. صار الذئب بطل الخبر، مع أنه كان السارق. وصار الكلب تفصيلًا جانبيًا، مع أنه كان الحارس الجريح.

جلس الرجال بعد العصر جلسة المصطبة عند الدكان كعادتهم، وبدأت بطولة الذئب تكبر كلما صغرت الحقيقة.

قال واحد:

الذئب لا يأكل إلا من جوع.

وقال آخر:

الذئب إذا هجم يعرف من أين تؤكل الكتف.

وقال ثالث، وهو يحرك مسبحته:

لذلك العرب تمدح الرجل بالذيب.

كان في المجلس رجلٌ كهل لا يتكلم كثيرًا. يسمونه “أبو عاصم الصياد”. وجهه يشبه جلد القربة القديمة؛ جافّ، مشقّق، لكنه ينضح بماءٍ خفيّ من الكرامة والهيبة. كان، إلى زمن قريب، يعتزل الناس ويخلو إلى البرّ والصيد والكتب القديمة التي خلّفها له جدّه كما يقال، حتى ضاقت عليه عيشة البرّ، فعاد إلى داره في القرية، كمن عاد من الوحشة ومعه شيءٌ من حكمتها.

ظلّ يسمع كلام الرجال عن الكلب والذئب، ثم مدّ يده إلى كأس الشاي وقال:

أنا عشت عمري بين البرّ والكلاب والطرائد. والغريب الذي وجدته أن القرآن لم يخف من فم الكلب كما خافت منه مجالسنا. قال لنا: إن علّمتموه، وذكرتم اسم الله، فكلوا مما أمسك عليكم. يعني فم الكلب صار طريقًا إلى الحلال، لا بابًا إلى القرف.

سكت قليلًا، ومسح شاربه بطرف كمه.

ثم كبرنا ونحن نسمع أن لعابه مصيبة، وأن أثر فمه يحتاج ماءً وترابًا وطهارة طويلة… لا أدري. أنا رجل بسيط، لا أبيع الفتوى ولا أشتريها. لكني أعرف شيئًا واحدًا: حين يجعل القرآن فم الكلب طريقًا للرزق، ثم نجعل نحن اسمه طريقًا للشتيمة، فالمشكلة لم تعد في الكلب.

لم يعترض أحد. حتى أبي لم يجد جملة يضعها بينه وبين الكلام. كانت في صوت أبي عاصم رائحة البرّ وصداه؛ والبرّ لا يجامل كثيرًا، يعرف أثر الناب، وأثر الجوع، وأثر الوفاء حين يرجع صاحبه آخر الليل ولا يجد من يشكره.

ثم نظر أبو عاصم إلى الكلب النائم على طرف المصطبة، أذنه ملفوفة بخرقة بيضاء، وقال:

وتعرفون ما العجيب أيضًا؟ القرآن لم يذكر الكلب عند أهل الكهف كزينة في المشهد. الفتية كانوا يحرسون آخر ما بقي في قومهم من إيمان، والكلب كان يحرس آخر ما بقي معهم من وفاء. كأن الوفاء، إذا وقف على عتبة شيء، رُفع ذكره مع أهله، ولو كان كلبًا.

ابتسم ابتسامة صغيرة، لا تخلو من مرارة:

وذئب يوسف؟ لم يأكل يوسف، لكنه دخل القصة من فم الإخوة. ورغم أنه بريء من الفعل، كان حاضرًا في التهمة؛ كأنه الحارس على طباع الغدر. وكأن غدر الإنسان، حين يعجز عن تسمية نفسه، يبحث عن ذئب يلبسه ثوبه.

سكت المجلس. لم تعد المسألة حيوانًا نمدحه وحيوانًا نذمه. كانت أعمق من ذلك. الوفاء لا يجيده كل أحد، ولو ادعاه الجميع. أما الغدر، إذا صار تهمة، فيحسنها كل خائف إذا ضاقت عليه الحقيقة.

نظر أبي إلى كلبه، ثم قال كأنه يحدث نفسه:

يعني الحراسة مقام، مو عادة.

هز أبو عاصم رأسه:

والغدر والكذب حرفة، مو حادثة.

كنت أسمع أبا عاصم، وأرى الكلب نائمًا تحت الشمس، أذنه ملفوفة بخرقة بيضاء، لا يعرف أن رجلًا عجوزًا عاش حياة نصف متوحشة، أنصفه أخيرًا بعد عمر طويل من الشتائم.

لم يعد المجلس كما كان قبل قليل. الذين كانوا يكبرون الذئب سكتوا، والذين ضحكوا من كلمة “أصيل” صاروا ينظرون إلى الأرض، كأن الأرض وحدها تعرف كيف تدفن الحرج.

قلت، وأنا أحاول أن أجرب صوتي بين الرجال:

يعني نحن ظلمناه لأنه قريب منا؟

لم يضحك أبو محمود هذه المرة. حرّك مسبحته ببطء، ثم قال:

يمكن لأن القريب إذا حملك كثيرًا، تنسى أنه يحمل.

رفع أبي عينه إلى الكلب، وقال:

ومن تخافه تسميه كبيرًا، ولو كان يأكل منك.

قال أبو عاصم:

هي هذه الحكاية كلها. الناس غالبًا لا تزن بالعدل؛ تزن بما اعتادته في ظلّ النور، وما خافت منه بكحل العتمة. فمن حملها كل يوم صار ذلك واجبه، ومن أخافها مرة صار في صدرها له هيبة.

سكت قليلًا، ثم أضاف:

لذلك يضيع الوفاء إذا صار مألوفًا، ويكبر الطغيان إذا صار له ناب.

دخلت الجملة في صدري بهدوء، لا كحكمة تقال، بل كشيء كنت أراه في البيوت والدوائر والمجالس ولم أعرف اسمه.

ومن يومها بدأت أفهم أشياء كثيرة لم تكن عن الكلاب والذئاب فقط. فهمت لماذا لا يشكرون الأم إلا في جنازتها، لأنها حملت طويلًا حتى صار عملها جزءًا من الأثاث. ولماذا لا يلتفتون إلى العامل الهادئ إلا إذا أخطأ، لأنه أصلح كثيرًا حتى صار الإصلاح واجبًا لا فضلًا. ولماذا يكبرون المتجبر في المجلس، لا حبًا به، بل اتقاءً لشره. يخافون صوته فيسمونه هيبة، ويستغلون طيبة الطيب فيسمونها ضعفًا.

هناك بشر يعطون حتى يتعوّد الناس عليهم، وبشر يأخذون حتى يتعوّد الناس على الخوف منهم. ثم تأتي اللغة، كشاهد مرتبك، بكل ثيابها القديمة، فتزيد الظلم ترتيبًا: تجعل الأول كلبًا، والثاني ذئبًا.

وهنا لا أدري كيف تذكرت أستاذ التاريخ في المرحلة الإعدادية؛ لم يكن يملّ، حين يزداد الطلبة شغبًا على حساب رأفته وطيبته، من أن يقول لنا: “أَفديكَ إِلفاً وَلا آلو الخَيالَ فِدىً … أَغراكَ باِلبُخلِ مَن أَغراهُ بِالكَرَمِ”. لم أفهم قصده يومًا، وها أنا اليوم، على أطلال صوته، آكل طبقًا من ندم.

في المساء، وجدت أبي يضع للكلب قطعة لحم صغيرة. كانت أكبر من عادته.

قلت له:

اليوم دللته يا أبي.

قال وهو ينظر إلى أذنه المجروحة:

اليوم فقط انتبهت أنه ليس كلبًا فقط.

سكت قليلًا، ثم أضاف:

نحن أحيانًا ما بنعرف قيمة اللي شايلنا، إلا لما يوقع قدامنا وهو بعده حاملنا.

لم أعلّق. كانت الجملة أوسع من الرد. بقيت أنظر إلى الكلب، وإلى أبي، وإلى قطعة اللحم الصغيرة التي صارت في تلك الليلة اعتذارًا لا عشاءً.

بعد سنوات، كلما سمعت رجلًا يقول عن آخر: “ذيب”، سألت في سري: هل يمدحه لأنه كريم، أم لأنه يخاف أن يقترب منه؟ وكلما سمعتهم يشتمون أحدًا بالكلب، نظرت حولي: كم وفيٍّ هنا طحنه الاعتياد حتى صار اسمه مهانة؟

في تلك الليلة، نام الكلب عند باب الحظيرة كما كان يفعل دائمًا. لم يطلب ترقية في اسمه، ولا اعتذارًا من العرب، ولا انصافًا من الذئب في كتب الأمثال. اكتفى أن يمد رأسه على عتبته القديمة، ويترك لنا نحن أن ننبح داخل اللغة كما نشاء.

أما الذئب، فقد عاد إلى الجبل.

هناك لم يسمّه الجبل شريفًا لأنه افترس وعاد إليه، ولم يعتذر له يومًا عن جوعه. تركه في مكانه وباسمه: وحشةً لها ناب، لا مروءةً لها اسم.

أما الكلب، فبقي عند بابنا كظلّ جبل؛ يحرس المعنى بخوفٍ ظاهر، وأمانةٍ لا تعرف الخطابة، ووفاءٍ لا يطلب شاهدًا. يصحو على خوفنا قبلنا، ويحرس ما ننام عنه، ثم يقبل آخر الليل كسرة الخبز كأنها وسام.

ولعلّ لهذا كان الجبل أعدل من لغتنا، وأحكم من مجالسنا؛ عرف ثقل الأمانة فلم يدّعها، ويتصدع خاشعًا كلما تنزلت علهي آية. ونحن ما زلنا نرفع الناب إذا خفناه، ونكسر الوفاء إذا ألفناه.

15/06/2026

أيمن قاسم الرفاعي

Ayman Q. Alrefai

دكتــــــوراة دراســـــات إسلاميـــــة في العلوم السياسية
باحــث متخصـص في مجـال الإدارة والسياســة العامة
مدون وكاتب في مجال الفكر والفن والأدب والقصة والشعر

آخر ما حرر
مقالات ذات صلة
Scroll to Top