🔥 هكذا تكلَّمَ الفينيق…
أيمن قاسم الرفاعي
(نارٌ لا تُرَى)
اِغْمِسْ رُوحَكَ في بَحرِ المَحبَّةِ…
فأخطرُ النَّارِ، تِلكَ الَّتي لا تُرَى.
جَذْوَةٌ بلا لَهَبٍ،
جَمْرٌ بلا ضِرامٍ،
لا تَشتَعِلُ بِحَطَبٍ،
بَل تَكتَوِي بِها القُلوبُ.
نارٌ تُحرِقُ ولا تُنضِجُ،
تُفنِي ولا تُميتُ…
عن نارِ الحِقدِ الأعمى،
تكلَّمَ الفينيقُ…
بُكاءً مِن وَرَاءِ لَهَبٍ،
وشُكرُ وَجَعٍ كَشَفَ ما حَجَبَ.
(نورٌ لا يُطفَأ)
اِرْوِ عَطَشَ رُوحِكَ مِن نَبعِ الضِّياءِ…
فإنَّ أَعْظَمَ النَّارِ
قَبَسُ مِشكاةٍ في عَيْنِ قَلْبٍ.
شُعاعٌ سابِحٌ مِن أَزَلٍ لأَزَلٍ،
لا تَمسِكُهُ يَدٌ،
ولا تُطفِئُهُ مِيَاهُ السَّماواتِ.
لُغَةٌ لِلحُبِّ لا يَفهَمُها إِلَّا العاشِقُونَ،
وجَلاءٌ لِلعَمَى لا يَسكُنُ إِلَّا عُيونَ العارِفِينَ.
عن نُورِ اللهِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ،
سَبَّحَ الفينيقُ…
وَخَرَّ شُكرًا على رَمادٍ فيهِ نُورٌ يَستفيقُ.
(نِداءُ البَعْثِ مِنَ الرَّمادِ)
“أنا ابنُ اللَّهَبِ المُقَدَّسِ،
فَاخلَعْ عَنكَ جَسَدَ الفَناءِ كَالثَّوبِ المُحتَرِقِ،
واسْكُبْ في فَراغِكَ نُورًا لا يَذْوِي.
في كُلِّ احتِراقٍ… جَناحٌ يُولَدُ،
وفي كُلِّ انطِفاءٍ… قَبَسٌ يَتَنَفَّسُ،
وفي كُلِّ رَمادٍ… فَجرٌ يَنبَجِسُ.
مَن ذا يَخشَى نارًا تَأكُلُ الرِّيشَ؟
اِخشَ النَّارَ الَّتي لا تَأكُلُ إِلَّا ذاتَها…
نارٌ تَرَى فَيْءَ الجِنانِ… ظَلامًا،
وتَحسَبُ حُلمَ الأمانِ لِلمُثخَنِ… خُنوعًا،
فَتَجعَلُ الجِنانَ سَعيرًا بِلَظى حِقدِها،
وتَجلِدُ أمانَ المُثخَنِينَ بِسِياطِ فُجورِها…
زَفيرُ الغابِ العَذبِ في أَعْلى الجِبالِ
صارَ جِبالًا مِن دُخانِ النَّافِثاتِ،
وشَهِيقُ وِدْيانِ الغِيطانِ النَّدِيَّةِ
صارَ زُكامًا مِن شِواءِ الكائِناتِ.”
هكذا ناحَ الفينيقُ…
دَمعَةٌ سالَتْ مِن رَمادٍ،
وخَيْطٌ مِن دُخانٍ،
ورِسالةُ تَحَدٍّ لِنافِثٍ نارَهُ…
أَشْعَلتَ سَعيرَكَ،
قَبْلَ أَنْ تُشْعِلَ بِالغابِ أُوارَهُ.
(مشاعِلُ نُورٍ مِن ماء)
وجاءَ مِن قَلبِ النَّارِ… رَجُلٌ يَسْعَى،
لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا يَجتَرِحُ مُعجِزَةً،
لا، ولا وَلِيًّا يَحمِلُ كرامَةً،
ولا حتَّى حَكيمًا يُلقِي موعِظَةً.
كانَ فقط رَسُولَ ماءٍ.
يَمشِي على جَمرِ الوَجَعِ،
وعَيْنُهُ في الأَرضِ لا تَبحَثُ عن بُطولةٍ،
بَلْ عن شَجَرٍ يَفتَدِي لِتَنجُو شُتُولُهُ،
عن قُنفُذٍ أحرَقَ أَشواكَهُ لِيَحتَضِنَ صِغارَهُ،
عن عُصفُورٍ مَسجُونٍ بِرُعبِ الرِّيشِ مِنَ اللَّهَبِ،
عن قَلْبٍ لَمْ يَفقِدْ يَومًا إيمَانَهُ بِالنَّدَى.
رَجُلٌ يُطفِئُ الغابَ،
وكأنَّهُ سَماواتٌ مِن سَحابٍ…
يَمشِي ولا يُرَى،
لَكِنَّ الغابَ باتَ يَعرِفُهُ،
والكائِناتُ تَألَفُهُ،
والرِّيحُ تَمِيلُ عن دَربِهِ بِخُشوعٍ.
لَيسَ كُلُّ مَنْ يُطفِئُ النَّارَ رَجُلَ إطفاءِ،
مُعظَمُهُم أَتَى يَسْعَى لِيُطفِئَ لَهَبًا أَعظَمَ فيهِ،
لأنَّهُ عَرَفَ مِن قَبلُ مَعنَى الاحتِراقِ،
احتِراقٌ لا يُطفَأُ بِالماءِ،
بَلْ بِالرَّحمَةِ.
هكذا تَرنَّمَ الفينيقُ…
شُكرًا…
لِكُلِّ مَنْ أَطفَأَ ألسِنَةَ اللَّهَبِ بِفَمٍ مِن ماءٍ،
وجَعَلَ مِن كُلِّ رَمادٍ كُحْلًا لِعَينِ اليَقَظَةِ.
****
ثُمَّ بَسَطَ الفينيقُ جَناحَيْهِ فَوقَ الرَّمادِ…
وَتَمْتَمَ بِالحَمدِ لِمَنْ عَلَّمَهُ سِرَّ الماءِ…
فَاحتَرَقَ… لِيُولَدَ مِن جَدِيد.
الدوحة
السَّاعة: 13:00
12/07/2025
