[rank_math_breadcrumb]

الماتريكس والبارادايم: حين يتحول الوهم إلى وعيٍ جمعي

الماتريكس والبارادايم: حين يتحول الوهم إلى وعيٍ جمعي

أيمن قاسم الرفاعي

حين يذكر الماتريكس فإن أول ما يتبادر للذهن هو الفلم الأيقوني (The Matrix) عام 1999م. رغم أن مصطلح “Matrix” أقدم بكثير من الفيلم نفسه، ويعود أصلُه اللاتيني إلى معنى “الرحم” أو البنية التي تتولد منها الأشياء، فإن حضوره الفلسفي الحديث تشكّل تدريجيًا مع تصاعد الأسئلة المرتبطة بوهم الواقع والمحاكاة وصناعة الوعي.

وقد كان الفيلسوف الفرنسي (جان بودريار – Jean Baudrillard)  أحد أبرز من بلوروا هذا التصور في كتابه (الصور الزائفة والمحاكاة – Simulacra and Simulation) عام 1981، حيث ناقش كيف يعيش الإنسان الحديث داخل عالم من الصور والرموز التي لم تعد تعكس الواقع، وإنما تحلّ مكانه حتى يصبح التمييز بين الحقيقي والمصنوع أمرًا شديد الالتباس. ولهذا لم يكن ظهور كتابه داخل الفيلم تفصيلًا عابرًا، وإنما إشارة مباشرة إلى الخلفية الفلسفية التي استند إليها العمل في طرح سؤال الوعي والواقع والهيمنة الرمزية.

حقيقة لم يكن الفيلم مجرّد عمل خيال علمي يتحدث عن آلاتٍ تستعبد البشر داخل عالم افتراضي. تلك كانت القشرة البصرية للفيلم، أما جوهره الحقيقي فقد كان سؤالًا أعمق بكثير؛ سؤال الوعي حين يتحول إلى سجن، والإنسان حين يعيش داخل منظومةٍ تشكّل نظرته إلى العالم حتى يفقد القدرة على رؤية ما يقع خارجها.

لهذا السبب بقي الفيلم حيًا في الذاكرة الإنسانية رغم مرور السنوات. لأنه لم يلمس خوف الإنسان من التكنولوجيا فقط، وإنما لامس خوفه من أن يكون وعيه نفسه مُدارًا دون أن يشعر.

خرج الفيلم في لحظة تاريخية كانت البشرية تدخل فيها عصرًا جديدًا مع الألفية الجديدة؛ الإنترنت يتمدد، الإعلام يتحول إلى سلطة عابرة للحدود، الشركات العملاقة تعيد تشكيل أنماط الحياة، والعالم يغادر ببطء زمن الحقيقة الواحدة إلى زمن “الواقع المصنوع”. في تلك اللحظة ظهر “الماتريكس” بوصفه استعارة ضخمة عن الإنسان الحديث؛ ذلك الكائن الذي يستهلك الصور والأفكار والقناعات الجاهزة حتى يظن أنها نابعة من ذاته.

ولهذا فالماتريكس الحقيقي لا يبدأ من الآلة، وإنما من قابلية الإنسان للاعتياد.

الإنسان لا يدخل السجن دائمًا بالقوة، أحيانًا يدخل إليه عبر الطمأنينة. عبر التكرار. عبر الخوف من السؤال. عبر الرغبة العميقة في الانتماء لما يعتقده الجميع. وهنا تتحول المنظومة مع الزمن إلى “بارادايم” كامل؛ إطار خفي يعيد تعريف الطبيعي والمعقول والمقبول، حتى يغدو الخروج عنه أشبه بالخروج عن الواقع نفسه.

في المقاربة البارادايمية القرآنية، هذه القضية ليست جديدة على الوعي الإنساني. القرآن تعامل معها بوصفها إحدى أخطر سنن الانحراف البشري. ولهذا لم يكن نقده موجّهًا للأصنام الحجرية فقط، وإنما للأصنام الذهنية التي تسكن الوعي.

حين كان الأقوام يقولون: (…إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (22)الزخرف)، لم تكن المشكلة في الآباء بحد ذاتهم، وإنما في تحوّل الموروث إلى سلطة تمنع الإنسان من النظر الحر. يصبح الانتماء إطارًا مغلقًا، وتتحول العادة إلى حقيقة نهائية، ويغدو السؤال تهديدًا للاستقرار النفسي والاجتماعي.

هنا بالتحديد يتشكل “الماتريكس الجمعي”.

ليس كذبًا صريحًا بالضرورة، وإنما شبكة كثيفة من التصورات والعادات والخوف واليقينيات الموروثة، حتى يصل الإنسان إلى لحظة يرى فيها العالم بعين المنظومة لا بعينه هو.

ولهذا يربط القرآن دائمًا بين الهداية ووظائف الوعي: السمع، والبصر، والفؤاد، والتعقل، والتدبر. لأن القضية في جوهرها ليست نقص المعلومات، وإنما تعطّل القدرة على الرؤية خارج الإطار المسيطر. قد يعيش الإنسان عمره كاملًا داخل بارادايم اجتماعي أو ديني أو سياسي أو ثقافي دون أن ينتبه أن كثيرًا مما يراه “حقيقة مطلقة” ليس سوى بناء تراكمي تشكل عبر الزمن.

وهنا تصبح عبارة “أقفال القلوب” ذات دلالة مدهشة.

القلب المقفَل في المقاربة القرآنية ليس قلبًا بلا معلومات، بل قلب فقد حيويته الإدراكية؛ لم يعد قادرًا على استقبال المعنى خارج ما اعتاده. ولهذا فالقفل ليس جهلًا بسيطًا، وإنما حالة استقرار داخلي داخل الوهم.

وهو ما يجعل تحطيم البارادايم مؤلمًا دائمًا.

لأن الإنسان لا يدافع عن أفكاره فقط، وإنما يدافع عن صورته عن نفسه، وعن شعوره بالأمان، وعن الجماعة التي ينتمي إليها، وعن اللغة التي يفهم بها العالم.

من هنا يمكن فهم القيمة الحقيقية لفيلم “الماتريكس”. ليس بوصفه كشفًا لمؤامرة كونية، ولا رسالة غيبية مشفرة، والتي تتحول إلى ماتريكس بذاتها نتيجة الاسقاطات النفسية والعقدية على رمزيته وفلسفته، وإنما كعمل فني نجح في  استثارة السؤال الإنساني القديم: كم فكرة نعيش داخلها دون أن ندرك أنها تشكّل وعينا أصلًا؟

وهذا السؤال هو بداية التحرر.

التحرر هنا ليس انفصالًا عن المجتمع أو احتقارًا للناس أو شعورًا متعاليًا بامتلاك الحقيقة، وإنما استعادة القدرة على النظر الحر، والتمييز، ومراجعة المسلمات، وعدم تحويل أي منظومة بشرية إلى حقيقة مقدسة مغلقة.

لهذا كان القرآن يفتح أبواب السؤال باستمرار: أفلا تعقلون. أفلا تتفكرون. أفلا يتدبرون.

لأن الوعي في التصور القرآني ليس حالة سكون، وإنما حركة دائمة ضد التكلس.

وكل بارادايم يتحول إلى يقين مغلق يبدأ تدريجيًا بإنتاج “ماتريكسه” الخاص؛ مهما اختلفت شعاراته أو لغته أو مظهره الحضاري.

الإنسان قد يخرج من سجن السلطة، ثم يدخل سجن الجماعة. وقد يهرب من استبداد السياسة، ثم يقع في استبداد الفكرة. وقد يثور على التقليد القديم، ثم يصنع تقليدًا جديدًا أكثر قسوة دون أن يشعر.

ولهذا تبقى أعظم لحظة في رحلة الوعي الإنساني هي تلك اللحظة التي يجرؤ فيها الإنسان على السؤال، لا بوصفه تمردًا أجوف، وإنما بوصفه بحثًا صادقًا عن الحقيقة، وخوفًا من أن يتحول الوهم مع الزمن إلى وطنٍ كامل يسكن داخله العقل دون أن ينتبه.

الدوحة – 05/06/2026

 

Scroll to Top