لا تنتهي كل الحروب حين يصمت الرصاص.
بعضها ينسحب من الجبهات… ثم يستقر في الوعي، وفي اللغة، وفي شكل الحياة اليومية، حتى تصبح آثار الحرب جزءًا طبيعيًا من المشهد العام دون أن ينتبه الناس إلى حجم التشوه الذي تتركه في المجتمع.
ما يحدث اليوم في سوريا يكشف أننا لم نخرج من الحرب بالكامل، وإنما دخلنا مرحلة يمكن تسميتها بـ«نقاهة الحرب»؛
تلك المرحلة التي تتوقف فيها المعارك الكبرى، بينما تبقى النفس الجمعية عالقة داخل منطقها:
الخوف، والاستنفار، واستعراض القوة، وتسلل المظاهر المسلحة إلى كل تفاصيل الحياة.
لهذا لم يعد غريبًا أن تظهر الأسلحة في افتتاحات واحتفالات وفعاليات أهلية ومدارس وأماكن يفترض أنها فضاءات مدنية آمنة.
المشكلة هنا ليست في قطعة السلاح نفسها، وإنما في تحوّلها إلى جزء من تعريف المجال العام، وكأن المجتمع لم يعد قادرًا على تخيل الهيبة أو النظام أو الحضور دون مشهد عسكري يرافقه.
هذا التحول خطير نفسيًا وثقافيًا، لأن الأجيال الصغيرة تبدأ بالتكيف مع فكرة أن الحياة الطبيعية يجب أن تمر دائمًا عبر بوابة الحرب.
الطفل الذي يرى السلاح في المدرسة، وفي الشارع، وفي الاحتفال، يكبر وهو يربط القوة بالخوف، والهيبة بالعنف، والدولة بالحضور المسلح لا بحضور القانون والطمأنينة.
والأخطر أن المجتمعات الخارجة من الصراعات قد تدمن — دون أن تشعر — حالة التعبئة المستمرة، لأن الحرب الطويلة تعيد تشكيل الإحساس بالأمان نفسه.
فيصبح الهدوء مقلقًا أحيانًا، ويصبح استعراض القوة محاولة نفسية لإقناع الذات بأن الأمور ما تزال تحت السيطرة.
لكن الدول لا تُبنى بهذه الطريقة.
الدولة التي تريد استعادة الحياة لا يكفي أن توقف الحرب، بل عليها أن تحرر الفضاء المدني من آثارها النفسية والبصرية أيضًا.
فالمدرسة ليست ساحة استعراض، والجامعة ليست ثكنة، والشارع ليس جبهة دائمة.
التعافي الحقيقي يبدأ حين يعود السلاح إلى مكانه الاستثنائي، وتعود الحياة المدنية إلى مكانها الطبيعي.
وحين يشعر الطفل أن المدرسة تشبه المستقبل… لا ذاكرة الحرب.









