ميسي… الوجه الجميل لقبح كرة القدم
أيمن قاسم الرفاعي
سيزعج هذا الكلام كثيرين من محبي اللعبة الأكثر شعبية في العالم. ففي وداع ميسي للأرجنتين، لا أكتب اليوم عن كرة القدم بقدر ما أكتب عن إنسان مرّ من خلالها وترك وراءه شيئًا أكبر منها.
ثمة شيء أكبر من الكرة يستحق أن يُكتب عنه في الليلة التي ارتدى فيها ليونيل ميسي قميص الأرجنتين للمرة الأخيرة، بعد واحد وعشرين عامًا، ثم غادر وقد اكتملت الحكاية على نحو يكاد الأدب يستحي من ترتيبه: هدف، وصناعتان، ومدرج كامل جاء ليقول شكرًا، ورجل في التاسعة والثلاثين يحاول أن يعبر النشيد للمرة الأخيرة فلا تسعفه عيناه. وفي نهاية كل ذلك قال ما يكفي: إنه يغادر بسلام، بعدما أعطى كل ما لديه.
المشكلة أن كرة القدم كبرت أكثر مما ينبغي.
لم تعد تلك المساحة الخضراء التي يركض فوقها اثنان وعشرون إنسانًا وراء كرة. صارت اقتصادًا عابرًا للقارات، وسوقًا للأجساد والصور، ومصنعًا للهويات، ومسرحًا تستثمر فيه الدول والشركات والإعلام والسياسة. تستطيع أن تمنح الشعوب فرحًا حقيقيًا، وأن تتحول في اللحظة نفسها إلى أداة ماهرة لاستثمار هذا الفرح. يدخل إليها الطفل باحثًا عن اللعب، فتستقبله بعد حين منظومة كاملة تعرف ثمن قميصه، وقيمة صورته، وحجم جمهوره، وعدد العيون التي يمكن بيع انتباهها.
وسط هذا كله، كان ميسي يعيد اللعبة، لبضع ثوانٍ، إلى براءتها الأولى.
كرة عند القدم، ومساحة يراها الجميع، وممر لا يراه أحد.
ربما كان هذا سرّه الأعمق. لم تكن عبقريته في أنه يفعل المستحيل دائمًا؛ كان يرى داخل الممكن شيئًا غائبًا عن الآخرين. اللاعبون في الملعب نفسه، والعشب نفسه، والمسافات نفسها، ثم تصل الكرة إليه فيتغير شكل المكان. تظهر نافذة لم تكن موجودة، ويمر منها. تلك ليست خاصية كروية فحسب. هذا ما يفعله الشاعر باللغة، والعالم في المسألة، والمفكر في الواقع: يعيش بين الأشياء التي يعيش بينها الناس جميعًا، ثم يرى بينها علاقة لم تكن مرئية قبل أن يراها.
ومن هنا أحببت ميسي.
لا لأن الكرة عندي تستحق كل هذا الحب، وإنما لأن الإبداع يستحقه.
بدأ ذلك الطفل في روزاريو بجسد لم يمنحه الطريق الأسهل. عانى مشكلة في النمو، وغادر الأرجنتين في الثالثة عشرة، وكان عليه أن يحتمل العلاج اليومي والغربة والمجهول قبل أن يعرف أحد إلى أين ستقوده موهبته. برشلونة نفسه يوثق وصوله في الثالثة عشرة وتكفله بعلاج هرمون النمو، ويصف ميسي في سيرته حقن العلاج اليومية التي عرفها صغيرًا.
لكن القصص العظيمة تخدعنا أحيانًا حين نرويها من نهايتها. نرى المجد فنظن أن الطريق كان يقوده إليه منذ البداية. لم يكن ثمة ضمان في ذلك الطفل الصغير. كانت هناك موهبة، وهذا لا يكفي. وبين الموهبة والمصير تقع تلك المنطقة التي لا تراها الكاميرات: آلاف الأيام المتشابهة، التدريب حين لا يحدث شيء مثير، الانضباط بعدما يزول حماس البدايات، واحتمال أن تفعل الشيء نفسه للمرة الألف ولا تفقد قدرتك على فعله للمرة الألف وواحد كأنها الأولى.
لهذا أرى في استمرارية ميسي فضيلة أخلاقية قبل أن أراها رقمًا رياضيًا.
يسهل أن تلمع. الأصعب أن تبقى جديرًا بلمعانك عشرين عامًا.
والأصعب من ذلك أن تبلغ القمة، ثم تجد سببًا لأن تتدرب في صباح اليوم التالي.
ولعل أكثر ما ظلمنا به ميسي أننا اعتدنا عليه. يأتي الاستثناء كل أسبوع حتى يصبح موعدًا اعتياديًا، ونبدأ في مطالبة المعجزة بأن تحضر في موعدها. فإذا لم تأتِ، حاسبناها. تلك إحدى مفارقات العبقرية: كلما رفعت سقف الممكن للناس، عاقبوك بالسقف الذي رفعته أنت.
عرف ميسي هذا القسوة في صورتها الأشد مع الأرجنتين. كان مطلوبًا منه أعوامًا أن يحمل أكثر مما يستطيع لاعب أن يحمل. ذاكرة مارادونا، وتوق وطن شديد الافتتان بكرة القدم، وهزائم فريق كامل، وحنين شعب إلى المجد، ثم ذلك السؤال الجائر الذي كان يطارده: لماذا لا تكون مع الأرجنتين كما أنت مع برشلونة؟
كأن الرجل مطالب أن يكون أحد عشر لاعبًا.
وخسر. وبكى. واعتزل مرة. وعاد.
وهنا تبدأ عندي قصة أخرى لميسي، ربما هي أهم من كثير من أهدافه.
لقد عيب عليه طويلًا أنه لا يملك كاريزما القائد. لم يكن الخطيب الذي يملأ الغرفة، ولا الرجل الذي يحتاج أن يسمع الجميع صوته كي يعرفوا أنه موجود. وكانت تلك التهمة تكشف شيئًا في فهمنا نحن للقيادة أكثر مما تكشف فيه. فقد اعتدنا أن نبحث عن القائد في الصوت، والإيماءة، والمشهد، والقدرة على احتلال مركز الصورة.
ثم أعطانا ميسي نموذجًا آخر: سلطة المثال والكفاءة.
أن تدخل المعركة أولًا. أن تتحمل النصيب الأثقل من التوقع. أن يعرف الذين حولك أنك لن تطلب منهم شيئًا لم تدفع ثمنه بنفسك. وأن يصبح إتقانك حجة أقوى من خطابك.
كم تحتاج السياسة إلى فهم هذا.
وكم تحتاجه الإدارة.
وكم يحتاجه الآباء والمربون.
فنحن نعيش في زمن تتضخم فيه القدرة على الظهور أسرع من القدرة على التكوّن. يتعلم الإنسان كيف يقدم نفسه قبل أن يمتلك ما يستحق أن يقدمه. وتُصنع الكاريزما، وتدار الصورة، ويقاس الحضور بعدد المتابعين. ثم يمر رجل قليل الكلام، ويبني طوال عشرين عامًا واحدة من أشهر الشخصيات على الأرض بما يفعله حين تصل الكرة إلى قدمه.
ثمة أخلاق صامتة في الإتقان.
ولست أصنع من ميسي قديسًا. لا أعرف الرجل إلا بقدر ما يعرفه ملايين البشر من بعيد، ولا يحتاج إعجابي به إلى تبرئة حياته من الخطأ. القديس المصنوع أقل إثارة للاهتمام من الإنسان الحقيقي. ما يلهمني أن الشهرة التي كان يمكن أن تبتلعه لم تستطع أن تجعل الشخصية المصنوعة أعلى صوتًا من الموهبة، وأن العائلة والأصدقاء وروزاريو والأرجنتين ظلوا ظاهرين في نسيج حياته العامة من غير أن يتحول ذلك كله إلى استعراض يومي.
ولهذا أيضًا كان وداعه للأرجنتين أعمق من وداع لاعب لمنتخب.
إنه فصل كامل من علاقة مجتمع برمزه. رفضه بعضهم لأنه لم يشبه الصورة التي ورثوها للبطل، ثم حملوه فوق طاقته، ثم أحبوه بذلك النوع النادر من الحب الذي يأتي بعد الخصومة، حين يشعر الإنسان أنه ظلم من كان ينتظر منه الكثير. تصف رويترز رحلة الأرجنتين معه كقصة حب شاقة استغرقت سنوات كي تنضج، من الشك والاتهام إلى ذلك الإجماع الذي ملأ بوينس آيرس والمونومنتال في وداعه.
وفي هذه الحكاية درس اجتماعي قاسٍ: الشعوب لا تبحث دائمًا في أبطالها عن النجاح وحده. تحملهم أحيانًا ما تعجز هي عن حمله، ثم تحاكم الفرد على أوجاع الجماعة. وحين ينجح، تسترد معه شيئًا من صورتها عن نفسها.
لهذا يستطيع لاعب أن يصير وجهًا من وجوه وطنه في العالم. لا لأن الوطن يُختزل فيه؛ فالأوطان أوسع من أفرادها. وإنما لأن بعض الأشخاص يصبحون لغة عابرة للحدود. هناك من عرف الأرجنتين عبر بورخيس، وهناك من سمعها في موسيقى بياتسولا، وهناك أجيال ستتذكر أن رجلًا صغير الجسد، يحمل الرقم عشرة، جعل اسمها لسنوات يقترن في ملايين القلوب بالجمال.
ثم هناك نحن، الذين شاهدناه.
وهذه أصعب فقرات الوداع.
لأن عشرين عامًا ليست مسيرة لاعب فقط. عشرون عامًا قطعة من العمر.
كنا أصغر حين بدأ. تبدلت المدن، والوظائف، والبيوت. كبر أطفال كانوا يجلسون إلى جوارنا، ورحل أناس كانوا يشاهدونه معنا، وشابت رؤوس، وتكسرت أحلام وقامت أخرى، وكان هو يعود في نهاية الأسبوع إلى المستطيل الأخضر، فنشعر لساعة ونصف أن شيئًا ما ما يزال في مكانه.
لهذا عندما يودع أمثال ميسي نشعر بوخزة لا تفسرها الرياضة.
إن الزمن يودعنا من خلالهم.
نكتشف فجأة أن الرجل الذي ظنناه جزءًا ثابتًا من العالم كان ساعة معلقة على جدار أعمارنا، وأن عقاربها كانت تتحرك ونحن مشغولون بالمباراة.
وهنا يبلغ عنوان هذا المقال معناه عندي.
قبح كرة القدم لا يسكن الكرة. يسكن ما صنعناه حولها من تعصب وتجارة وتسييس واستقطاب، ومن قدرة مذهلة على تحويل الانتماء إلى سوق، والفرح إلى منتج، والإنسان إلى علامة تجارية. وميسي نفسه عاش في قلب هذه الصناعة، واستفاد منها وكانت جزءًا من تكوين أسطورته؛ فلا معنى لاختراع براءة لم تكن موجودة.
ومع ذلك بقي شيء عصيًا على التسليع الكامل.
اللحظة.
تلك اللحظة التي يستلم فيها الكرة.
ينهض رجل من مقعده في الدوحة، وطفل في بوينس آيرس، وعامل في دكا، وشيخ في القاهرة، وشاب في قرية لا يعرف أحد اسمها. للحظات لا يفكر أحد في حقوق البث ولا عقود الرعاية ولا ميزانيات الأندية ولا حسابات السياسة.
هناك رجل قصير القامة يركض.
والكرة قريبة جدًا من قدمه.
ثم يحدث شيء جميل.
ربما لهذا بقيت معه عشرين عامًا. لم أكن أشاهد كرة القدم وحدها. كنت أشاهد إنسانًا يأخذ ما أُعطيه من موهبة بجدية تكاد تكون وفاءً لها، ثم يمضي بها إلى أبعد مكان استطاع الوصول إليه.
واليوم لا أشعر بحاجة إلى إثبات أنه الأعظم.
ذلك سجال أصغر كثيرًا من هذه اللحظة.
أريد فقط أن أشكره.
شكرًا لذلك الطفل الذي لم يكن يعرف وهو يغادر روزاريو أن ملايين الغرباء سيكبرون معه.
شكرًا للرجل الذي ذكّرنا، في زمن صار فيه الضجيج مهنة، أن الإتقان يستطيع أن يتكلم وحده.
وشكرًا لأن كرة القدم، بكل ما علق بوجهها من قبح، أبقت لنا عشرين عامًا نافذة صغيرة كان الجمال يطل منها.
أُغلقَت الليلة نافذة الأرجنتين.
وبقي في القلب ذلك المشهد القديم الذي تكرر حتى حسبناه خالدًا:
ميسي، والكرة، ومساحة ضيقة لا يراها سواه.
ثم يمر.
ونحن، للمرة الأخيرة، نعرف أنه سيمر…
ولا نريد منه هذه المرة أن يصل إلى المرمى.
نريده فقط أن يتأخر قليلًا.
الدوحة – 07/10/2026









