[rank_math_breadcrumb]

أمواج الحياة؛ فهل للموج راكب؟

أمواج الحياة؛ فهل للموج راكب؟

أيمن قاسم الرفاعي

لم تكن الأمواج يومًا لي، أنا ابن مدينةٍ لا بحر فيها، عنوانًا للغرق، وإنما كانت طريقتي الطويلة في تعلّم النجاة.

فمن ذا يركب الموج غير امرئٍ أراد أن يثبت في نفسه ما فشل الآخرون في احتماله؟ ومن يغامر باستقرار ظهره فوق اضطراب البحر غير من آمن أن التحدي ليس خصمًا دائمًا، وأن العاصفة قد تكون أحيانًا يدًا خفية تعيد تشكيل الروح؟

لقد ظننت زمنًا طويلًا أن الموج كان يطاردني، ثم أدركت، غير متأخر، أنه كان يدرّبني؛ يعلّمني ألّا أكون هشًّا أمام كل ريح، وألّا أجعل الخسارة قبرًا، ولا الخذلان نهاية الطريق؛ لأن الحياة، ببساطة، أمواج وأمواج.

أمواج خريف؛ تأتي لتُسقط ما يبس من أوراق القلب، وتكشف الأغصان على حقيقتها، وتعدّ الجسد والروح لامتحانات الصقل. في الخريف لا يموت الشجر، إنما يتخفف؛ وكذلك الإنسان حين يدرك أن بعض ما يسقط منه كان عبئًا لا زينة.

وأمواج شتاء؛ قاسية، باردة، ثقيلة، تفيض بالتحدي واليقين معًا. هناك، في الليالي التي يشتد فيها البرد على الروح، يتعلم الإنسان أن الخير لا يأتي دائمًا محمولًا على وسائد ناعمة، وأن ما ينضج في الداخل يحتاج أحيانًا إلى نارٍ لا يراها أحد، وإلى صبرٍ لا يصفق له أحد، وإلى يقينٍ لا يشهد عليه إلا الله.

وأمواج ربيع؛ تأتي حين يظن القلب أن المواسم نسيت طريقها إليه، فإذا بالعذوبة تعود، وإذا بالضحكة القديمة تطل من نافذة الروح، وإذا بقلائد النجاح تُجمع حبةً حبةً من لآلئ انتصارات صغيرة لم نكن ننتبه إليها ونحن نعبر التعب.

وأمواج صيف؛ هي الفرج بعد الضيق، والدفء بعد طول ارتجاف، والمتعة التي تردّ الإنسان إلى خفة الوجود. في الصيف يتعلم القلب أن الفرح ليس ترفًا، وأن الراحة ليست خيانة للمكابدة، وأن الهروب من حرّ الجمود قد يكون أحيانًا أصدق أشكال العودة إلى الحياة.

لهذا لن أقول: خلصت الحكاية. سأقول: انتهى فصلٌ موجع، وبدأ فصلٌ أهدأ. وما مضى لم يكن عبثًا، ولا خسارةً صافية، ولا سلسلة عواصف بلا معنى. كان تدريبًا طويلًا على أن أكون أنا، وعلى أن أثق بالله أكثر، وعلى أن أفهم أن النجاة لا تعني غياب الموج، وإنما أن يبقى القلب عارفًا وجهته وهو في قلب البحر.

ولعل أجمل ما تفعله الأمواج العنيفة أنها لا تصقل الإنسان وحده، وإنما تصقل ميزانه أيضًا. بعد زمن طويل من الخذلان والتجارب والاختبارات، لا يعود القلب ينخدع بكل بريق، ولا يفتح بابه لكل عابر، ولا يفسّر الوحدة بوصفها نقصًا. يصبح في النفس ميزان خفي، يعرف الأرواح من نبرتها، ويميز الصدق من ادعائه، والنقاء من زينته المصطنعة، والنضج من كثرة الكلام عنه.

عندها لا تعود العلاقات صدفة عمياء، ولا الرفقة ازدحامًا حول الفراغ. يصير القلب، حين يصفو، مغناطيسًا من نوع آخر؛ لا يجذب الضجيج، ولا يطيل المقام مع من يستنزفون الروح، ولا يطلب القرب بأي ثمن. يغدو أقرب إلى الناس الأنقى، والأهدأ، والأكثر نضجًا؛ أولئك الذين لا يربكون السلام الداخلي، ولا يساومون الإنسان على كرامته، ولا يحوّلون المحبة إلى عبء. يأتون لأن النفس تغيّرت، لأن الذبذبة الداخلية صارت أصدق، ولأن من نجا من موج كثير لم يعد يقبل أن يربط قاربه بحجر.

لذلك، لا رفقة بعد اليوم بمعنى التعلّق القديم، وإنما رفقة أصفى. ولا ذكريات بمعنى السجن، وإنما ذاكرة مهذبة تعرف ما تحتفظ به وما تودّعه. ولا عزلة بمعنى الانطفاء، وإنما فسحة اختيار، يقترب فيها من يشبه النور، ويبتعد فيها من اعتاد أن يترك في القلب عتمة.

لن أحمل معي غلًّا، ولا حسدًا، ولا أسفًا يأكل ما تبقى من العمر. سأترك ما مضى يمضي في مكانه، لا لأنه لم يؤلمني، وإنما لأن قلبي يستحق أن ينجو من سجنه. سأصالح الذكريات، وأنتقي الرفقة، وأفتح نافذةً لما بقي من نور.

ما أرجوه عند ربي خيرٌ وأبقى، وهذا الرجاء لا يطفئ الحياة في عيني، وإنما يجعلها أرحب وأخفّ وأصدق. سأعيش ما بقي بطمأنينة من عرف أن الأمواج لم تكن عدوّته دائمًا؛ كانت طريقه الشاق إلى الشاطئ، ومدرسته الكبرى في الصبر، وسرّه الخفي في أن ينهض كلما ظنّت الدنيا أنه غرق.

فعلى الدنيا سلام القلب الذي فهم، لا سلام القلب الذي انكسر.

02/06/2026

Scroll to Top