صكّت جدتي خدّها .. وتمتمت.
أيمن قاسم الرفاعي
كنتُ أفتّش عن شاحن الهاتف كمن يفتّش عن معنى الحياة.
البيت كلّه كان هادئًا، إلا رأسي.
الهاتف على واحد بالمئة، وأنا على أقل من ذلك بقليل.
والغريب أنّ الإنسان حين يوشك هاتفه أن يموت، يشعر أن العالم كلّه مهدد بالانقطاع، لا البطارية وحدها.
وجدت الشاحن أخيرًا تحت وسادة صغيرة في غرفة الجلوس، وكان ذلك كافيًا لأشعر بانتصار حضاري محدود. جلست، شبكت الهاتف، ثم فتحت الأخبار بنية خاطفة، تلك النية التي تبدأ بجملة: “دقيقتين وبسكر”، وتنتهي عادةً بإعادة تقييم الحضارة الإنسانية منذ قتل قابيل لهابيل.
وقعت عيني على منشور يتحدث عن مشروع لتوزيع “الحجاب الشرعي” على نساء البلد في كل مكان.
عباءات سوداء، خمار، نقاب، شعار كبير يبرر السواد قبل أن يسأل أحد عنه:
“نحن لسنا داعشيات ولا إرهابيات، قدوتنا أمهات المؤمنين والصحابيات”.
أغلقت الهاتف، ثم فتحته.
ففي بعض الأخبار لعنة صغيرة؛ لا تستطيع أن تتركها، ولا تستطيع أن تحتملها.
كنت أريد أن أكتب ورقة فكرية أكاديمية طويلة، بطول رسالتي في دكتوراة الدرسات الاسلامية، فيها فقه، ومقاصد، وشرع، وعرف، ولباس، وهوية، وتاريخ، وتديّن مصنوع على مقاس الافتة.
كنت أريد أن أشرح أن الستر ليس لونًا واحدًا، وأن الحشمة ليست اختفاءً كاملًا، وأن المرأة ليست إعلانًا متحركًا عن قلق المجتمع من نفسه.
لكن الكلمات تزاحمت في رأسي مثل طابور خبز في يوم ماطر.
رأتني جدتي وأنا جالس كمن ابتلع فتوى ضلال ووقفت في حلقه.
قالت:
ـ شو علامك يا ستي؟ وجهك عامل متل واحد اكتشف إنو الرز خلص بعد ما حط المي عالنار.
قلت لها وأنا أحاول أن أبدو هادئًا، مع أن الهدوء كان مستعارًا، وطبعا كل مستعار عاري:
والله ياستي في شيخ مجهول الهوية والطوية، عم يوزع لباس أسود مخمّر ومنقّب على نساء البلد، وعم يقول هذا هو اللباس الشرعي اللي بصون المرأة وبيحمي المجتمع.
صكت جدتي خدها، وتمتمت…
ليست الصكة المسرحية التي نراها في المسلسلات تصنعًا، بل تلك الصكة القديمة التي تأتي من مكان قبل اللغة، كأن اليد تلحق بالفطرة قبل أن يلحق العقل بالشرح.
قالت:
ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! ليش يا ستي؟ شو لباسنا نحنا؟ لباس كافرات؟
ثم سكتت لحظة، كأنها تفتش في ذاكرتها عن نساء القرية كلهن: أمها، وجدتها، وخالاتها، وجاراتها، والنساء اللواتي كن يخبزن، ويحصدن، ويعزين، ويباركن، ويمشين في السوق بنور عادي لا يحتاج إلى حراسة من اللافتات، لنه يمضي وفي يقينه معية الله.
قالت:
يعني أمي، الله يرحمها، لما كانت تطلع عالعين والنهر، لتعبي الجرة، وتعرفها البلد كلها، وما كانت تعرف البلد كلها منها غير الخير. هاي ما كانت ساترة حالها؟
مرت عمك، اللي ربت أيتام، وكانت توقف بوجه الرجال إذا شافت غلط، هاي كانت ناقصة دين؟
وجارتنا أم محمود، اللي ما حدا شاف منها إلا الخدمة والستر والكلمة الطيبة، هاي بدها شيخ يجي من آخر الدنيا يعلمها شو يعني حشمة؟
كنت أريد أن أجيب، لكنني وجدت نفسي لأول مرة تلميذًا في مدرسة لا سبورة فيها.
مدرسة اسمها: امرأة عاشت الدين قبل أن يُطبع على منشور،
مدرسة ذكرها الرازي يوومًا ولم يفهمها إلا قليل: “اللهم إيمانٌ كإيمان العجائز”.
قلت لها، متقمصًا دور هزاز الورد:
ـ هم عم يقولوا يا ستي إن هذا أكمل للستر.
ضحكت ضحكة قصيرة، لا هي سخرية ولا غضب، شيء بين الملح والدمعة.
قالت:
يا ابني، الكمال إذا بدو يمحي الإنسان، بيصير ناقص.
الستر ما بيعني المرأة تصير شبح، ولا يكفنها الليل والظلمة. الستر إنو الناس تشوف منها القدر اللي بخليها تعيش، وتبيع وتشتري، وتزور وتُزار، وتخدم وتتعلم وتشتغل، وما حدا يمد عينه ولا لسانه عليها.
ثم مالت نحوي كعادتها لما بدها تحكي حكي تقيل أو سر لجارتها، وقالت:
” الحشمة يا ستي مو حرب بين وجه الحرمة ودين الله. الحشمة إنك تمشي بين الناس وما تخاف منهم ولا يخافوا منك.”
هذه الجملة وحدها كانت كافية لأغلق كل الكتب في رأسي.
فكرت في نفسي؛ كم مرة احتجت إلى عشرين مرجعًا لأصل إلى ما قالته جدتي وهي تصلح شال رأسها بحركة عفوية اعتيادية؟
لكن كبرياء الباحث لا يستسلم بسهولة.
في داخلي موظف صغير اسمه “مع ذلك”، يخرج كلما همّ القلب أن يقتنع.
قلت: بس في ناس بتقول إن وجه المرأة فتنة.
رفعت حاجبها بطريقة جعلت الفتنة نفسها تستحي. وقالت:
يا لطيف! يعني المشكلة بوجهها ولا بالعين اللي ما تربت؟
إذا كل شي جميل بدنا نغطيه لأن في ناس ما بيخجل طرفها ولا بستحي عينها، وما بتعرف تشوف فيها، بكرا بيغطوا الزلمة الحلو، وبيغطو الطفل الوسيم، وما بعيد عليهم بيغطوا الورد، وبعده بيغطوا القمر، وآخر شي بيحطوا ستارة على الشمس.
ثم تابعت، وهي لا تدري أنها دخلت في مقاصد الشريعة من الباب الذي يدخل منه الخبز الطازج:
يا ابني، الزملة المتدين اللي بدو يصون المره، بصونها من قلة الأدب، من الظلم، من الفقر، من الخوف، من اللي بيمنعها ميراثها، من اللي بيكسر خاطرها، من اللي بيخليها طول عمرها تستأذن حتى تتنفس. أما إذا ترك كل هاد، ووقف عند لون العباية، فهذا مو صاحب دين… هذا بائع قماش فتح دكانه باسم الله.
ضحكت رغمًا عني.
وجدتُ الجملة قاسية قليلًا، لكنها قسوة بنكهة الخبز محمص الأطراف: لا أجمل أن تؤكل إلا في بيتك.
قلت لها: عم يقولو يا ستي أنهم بهاللباس عم يقتدوا بأمهات المؤمنين والصحابيات.
قالت:
الله يرضى عنهن. بس أمهات المؤمنين مو صورة معلقة على حيطان الخوف ياستي. هدول نساء عِلم، وبيت، وموقف، وسؤال، وفتوى، وحضور. الصحابيات ما كانوا غيمة سودا ماشية بالطريق. كانوا شموس الطريق يتنور فيهن، كانوا ربات مجتمع قبل يكونوا ربات بيوت. لهم أسماء. لهم وجوه. لهم عقول. لهم صوت لما يلزم الصوت، وسكوت لما يكون السكوت أكرم. الله يرحمك يا إمي، ضلت تحكيلي عن ستنا خديجة وتجارتها، وستنا عايشة وعلمها، والشفاء وحسبتها لسوق، ورفيدة ومداوات المقاتلين، لحتى فكرت الي فتح الشام يا ستي هن أمهات المؤمنين والصحابيات.
ثم نظرت إليّ نظرة فيها حنان وفيها تأنيب خفيف، كأنها ضبطتني متلبسًا بفكرة أكبر من قلبي.
قالت: أنتوا يا مثقفين بتتعبوا حالكم كتير. بتفكروا إنو البسيط ما بيفهم. لكن أحيانًا يا أمي البسيط ما عنده وقت يتفلسف على الفطرة، لذلك بشوفها أسرع منكم.
كان في كلامها شيء صفع قلبي وقبله في ذات الآن.
تذكرت كم مرة خفت أن أشرح لها فكرة، لا لأنها لا تفهم، بل لأنني كنت أخاف أن ينكشف لي أنها تفهم من طريق أقصر.
قلت: يعني برأيك الموضوع مو موضوع لباس بس؟
قالت: اللباس مهم يا ستي. ما حدا قال تمشي الوحدة متل ما بدها بلا حياء ولا ذوق. بس في فرق بين لباس يحفظ كرامة الحرمة، ولباس يقول لها: أنتِ مشكلة على رجلين.
الستر يرافق الحياة، وبعمره ما يطردها يا ستي.
اللباس اللي بيخلي المرأة بين أهلها غريبة، وبين الناس ظل، وبين نفسها خائفة، هذا بدو سؤال.
لأنه يا عمري أنت: مو كل سواد تقوى، ومو كل لون فتنة.
كانت تتكلم وفي يدها مسبحة صغيرة.
كل حبة تمر بين أصابعها كأنها تشهد أن الدين عاش طويلًا في البيوت قبل أن تكتشفه الحملات الدعائية، وغزوات التبشير المؤدلجة.
قلت لها: بس الشعار يقول: نحن لسنا إرهابيات.
تنهدت، وقالت:
اللي بيضطر يكتب على بابه يا ستي “أنا مو حرامي”، بيخلي الناس تسأل: ليش خطر بباله الحرامية؟
الدين النظيف ما بيمشي ومعه ورقة تشهد ببراءته. الدين النظيف يبان من رحمته، من أدبه، من طمأنينته، من عيونه اللي ما تخوف الناس، وألوانه الي بتخلي كل من شافه يقول هو مني وأنا منه.
ثم أضافت، كأنها تضع حلوى الحلقوم على صينية قهوة المساء كعادتها:
ياما، أمك وجداتك لبسوا الحشمة من غير ما يحولوا الحياة إلى جنازة. كانوا يستروا الجسد، بس ما يدفنوا الإنسان، بل يزينوه بالأخلاق بين الناس.
سكتُّ… في العادة، حين أسكت، أكون أفكر في رد.
هذه المرة كنت أفكر في اعتذار.
ليس اعتذارًا لها وحدها، بل لذلك العالم الهادئ الذي ظننته بسيطًا أكثر مما ينبغي، فإذا به يملك ميزانًا لا تصنعه الشهادات.
ميزان يعرف أن الحياء ليس صناعة رعب، وأن الستر ليس خصومة مع الوجه، وأن المرأة لا تُصان حين تُمحى، بل حين تُرى إنسانًا كاملًا لا غنيمة نظر ولا تهمة حضور.
كنت أظن أنني أبكي من الغضب، ثم اكتشفت أن ملح المعنى أكثر مرارة من ملح الدموع.
عاد هاتفي إلى الحياة.
ارتفعت البطارية إلى سبعة عشر بالمئة، وانخفض غضبي إلى حد يمكن الكتابة منه.
فتحت الملاحظات لأكتب ورقة بارادايمية فقهية طويلة، لكنني وجدت نفسي أكتب أول سطر فقط:
“صكّت جدتي خدها، فسقطت من رأسي عمامة كاملة من التعقيد.”
ثم أغلقت الهاتف.
كانت جدتي قد نهضت إلى المطبخ، وهي تتمتم:
ـ الله يهدينا ويهديهم… الدين رحمة يا ستي، مو خيمة سودا نخبي فيها خلق الله.
وبقي الشاحن في الحائط، والهاتف على الطاولة، وأنا أفكر أن بعض البيوت فيها مكتبة لا رفوف لها.
مكتبة تجلس على كرسي قديم، تصلح طرف شالها، وتقول لك ببساطة:
الستر الذي يلغي الإنسان، لا يستر المرأة… يستر خوف المجتمع من نفسه، وخبيئة من أراده.
10/06/2026








