[rank_math_breadcrumb]

العيد بين الفرح والغلبة: سؤال الدين في الشارع السوري

العيد بين الفرح والغلبة: سؤال الدين في الشارع السوري

أيمن قاسم الرفاعي

بالأمس، دار سجال بين مؤيد ومعارض حول خروج جماعات محتشدة في بعض الطرقات السورية للتكبير الجماعي في العيد، مع رفع رايات، وتعطيل بعض السير، ومزاحمة المارة. بعض الناس رأى في ذلك عودة طبيعية للدين إلى المجال العام، وفرحًا مشروعًا بعد سنوات طويلة من القمع والخوف. وبعضهم (من ذات اللون حتى لا يساء الفهم) انقبض من المشهد، لا كراهية للتكبير، ولا اعتراضًا على العيد، وإنما خوفًا من عودة الدين إلى هيئة الحشد، والراية، والصوت الواحد، في بلد ما زالت ذاكرته مثقلة بصور الفصائل، والشعارات، والتنازع على تمثيل الله في الأرض.

ليس من اليسير أن يتكلم المرء عن التكبير في العيد في مثل هذا اليوم دون أن يُساء فهمه ويصنف مباشرةً. فالكلمة نفسها تسكن في وجدان المسلمين منذ طفولتهم الأولى؛ تخرج من المآذن، وتملأ البيوت صباح العيد، وتعيد للناس شيئًا من الطمأنينة القديمة التي رافقتهم في ذاكرة الأمهات والآباء، وفي رائحة القهوة، وثياب الأطفال، وزيارات الأقارب، واتساع القلوب بعد صيام أو عبادة أو غياب.

لهذا لا تبدأ المشكلة من التكبير. ولا من فرح الناس بدينهم. ولا من حقهم في أن يظهروا سرورهم في العيد. المشكلة تبدأ في موضع آخر أكثر حساسية: حين ينتقل التعبير الديني من معنى يُطمئن الناس إلى مشهد يربكهم، ومن ذكرٍ لله إلى حضور جماعي ضاغط، ومن فرح مشترك إلى إحساس غير معلن بأن الشارع صار ملكًا لمن يرفع الصوت أكثر، ويتجمع أكثر، ويحمل الراية أكثر.

وهنا يحتاج النقاش إلى شيء من الرفق والصدق معًا. فمن الظلم أن نحاكم كل من شارك في التكبير بوصفه صاحب مشروع هيمنة. كثير من الناس خرجوا بقلوب صادقة، وفرح عفوي، وشعور بأن العيد يكتمل بصوت الجماعة، وبالتكبير والتهليل. وفي الوقت نفسه، من التبسيط أن نردّ كل تحفظ على هذه الظاهرة إلى حساسية ضد الدين أو ضيق بالهوية السنية (وهي ضرورة سردية هنا لا تبني لأي خطاب طائفي). هناك خوف حقيقي عند كثيرين، ومنهم سنيون متدينون فضلاً عن الآخرين، من أن يتحول الدين في المجال العام إلى لغة غلبة، لا إلى منظومة أخلاقية جامعة.

الشارع ليس فراغًا محايدًا. الطريق في مدينة خرجت من الحرب ليس مجرد إسفلت وأرصفة. إنه ذاكرة ناس، وحقوق مارة، ومصالح مرضى، وقلق نساء وأطفال، وحساسية أقليات، وتعب مجتمع خُذل طويلًا من كل من رفع شعارًا كبيرًا ثم ضاق صدره بالإنسان الصغير. حين تمتلئ الطريق بحشد ديني، لا يُقرأ المشهد من نية أصحابه وحدها. يُقرأ من ذاكرة الناس أيضًا. وما يحسبه بعض المشاركين فرحًا، قد يراه آخرون إنذارًا. وما يراه بعضهم عودة للهوية، قد يسمعه آخرون تذكيرًا بمرحلة لم تجف جراحها بعد.

لقد عرفت سوريا، خلال سنوات الثورة والحرب، مشهدًا مؤلمًا: فصائل كثيرة، متنازعة ومتحاربة، ترفع كلها شعارات الله والدين. كل فصيل كان يزعم أنه الأقرب إلى الحق، وأن رايته أنقى، وأن خطابه أصدق، بما فيها حتى الميليشيات الطائفية للنظام البائد نفسه. ومع الوقت، لم يعد الشعار الديني يصل إلى آذان الناس مجردًا من طهارته الأولى. صار محمولًا بذاكرة الحواجز، والمقرات، والاقتتال، والتخوين، والخوف من الفصيل المختلف. وهذه ليست تهمة للدين، إنها شهادة على ما تفعله الجماعات حين تستعمل المقدس في صراع السلطة.

من هنا تأتي حساسية التمظهر الديني الجماعي اليوم. فالتكبير في ذاته ذكر عظيم، لكن الذاكرة السورية القريبة لا تسمع دائمًا اللفظ وحده. تسمع ما علق به من استعمالات متناقضة. تسمع الفصيل الذي رفعه في وجه النظام، ثم رفعه في وجه فصيل آخر، ثم ربما رفعه في وجه مدني ضعيف لا يملك إلا أن يصمت. هذه الذاكرة لا تُمحى بخطبة ولا بمنشور. تحتاج إلى زمن طويل من السلوك الأخلاقي الهادئ، حتى يعود الشعار الديني مصدر طمأنينة لا مثيرًا للحذر.

ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس: هل يحق للناس أن يكبّروا؟ الجواب من حيث الأصل معروف سواء فقهيًا أو عرفيًا. السؤال الأعمق: كيف يحضر التكبير في الشارع؟ وبأي هيئة؟ هل يحضر كفرح منضبط يحترم الطريق والناس ويشيع الابتسامة في الوجوه والسعادة في النفوس، أم كجسد جماعي يضغط على الفضاء العام؟ هل يجعل المختلف مطمئنًا، أم يشعره بأن المدينة تضيق به؟ هل يضيف إلى العيد جمالًا، أم يضيف إلى الذاكرة خوفًا جديدًا؟ هل يرفع معنى الله في القلب، أم يرفع إحساس الجماعة بنفسها؟

الدين، في جوهره، ليس استعراضًا للقوة. الدين منظومة أمان. فإذا حضر في الطريق، وجب أن يحضر معه حق الطريق. وإذا حضر في الحشد، وجب أن تحضر معه السكينة. وإذا حضر في الصوت، وجب أن يحضر معه الرفق. وقد جاء في الحديث المشهور: «لا ضرر ولا ضرار»، وهي قاعدة فقهية راسخة تكفي وحدها لتذكّرنا بأن أي تعبير ديني يفقد شيئًا من معناه حين يحمل أذى للناس، أو يربك مصالحهم، أو يجعلهم يشعرون بأن تدين جماعة ما صار عبئًا على حياتهم اليومية.

وليس معنى ذلك أن نحاصر الدين في المساجد أو نحرم الناس من الفرح العام. المعنى أن نحرر الدين من أن يتحول إلى هيئة استحواذ. فثمة فرق كبير بين شارع يفرح فيه الناس بالعيد، وشارع يشعر فيه بعض الناس أنهم غرباء في مدينتهم رغم أنهم أهل هذا الشعار نفسه. وفرق بين تكبير يسمعه المار فيبتسم ويشارك فيه، وتكبير يسمعه فيبحث عن طريق آخر. وفرق بين جماعة تقول بحضورها: شاركونا فرحنا وأماننا، وجماعة يبدو حضورها كأنه يقول: ابتعدوا، نحن هنا.

السردية السنية في سوريا اليوم أمام اختبار دقيق. فقد خرج أهل السنة من تجربة قاسية، دفعوا فيها أثمانًا هائلة من دمهم وبيوتهم وكرامتهم. ومن حقهم أن يستعيدوا صوتهم وكرامتهم وحضورهم. غير أن استعادة الحضور لا تكتمل بالصوت المرتفع، ولا بفرض رأي فقهي واحد، ولا هيئة تمظهرية واحدة. الحضور الحقيقي أن يشعر الناس، كل الناس، أن حضور المتدين في الشارع يزيد الأمان ولا ينقصه، يفتح الطريق ولا يغلقه، يرفع الحرج ولا يصنعه، يذكّر بالله من خلال الرحمة قبل الهتاف، وحين يسمع الله أكبر تخشع الجوارح للمعنى والسلام الذي تطفح به الوجوه، لا لسطوة المظهر والصوت الذي يريد التماهي مع الشعار سلطوياً لا التذكير به.

أهل السنة اليوم، بعد كل ما جرى، ليسوا بحاجة إلى إثبات أنهم موجودون من خلال الحشد. وجودهم معروف، وتاريخهم معروف، ومظلوميتهم معروفة. الحاجة الأعمق أن يقدموا نموذجًا أخلاقيًا يطمئن السوريين جميعًا. أن يقولوا بالفعل قبل القول إن الدين حين يحضر في المجال العام لا يأتي ليزاحم الناس على أرصفتهم، ولا ليختبر ولاءهم من خلال رد فعلهم، ولا ليحوّل العيد إلى استفتاء على الهوية، ولا ليستثمر في اللباس وبخاصة لباس المرأة كمشروع هيمنة لمدرسة فقهية. يأتي ليجعل الحياة أكثر رحمة، والشارع أكثر أمانًا، والناس أكثر قدرة على التنفس المشترك.

المؤيدون لهذه المظاهر يرون فيها لحظة فرح وعودة. وهذا مفهوم، خاصة عند من عاش زمنًا كان فيه الصوت الديني محاصرًا أو مراقبًا أو متهمًا. غير أن العودة إلى المجال العام لا ينبغي أن تكون عودة مثقلة بملامح القوة. فالدين حين يعود بعد القهر يحتاج إلى حكمة مضاعفة، لأن كل حركة منه تُقرأ في ضوء الخوف القديم. والمجتمع الخارج من الاستبداد لا يحتاج إلى سلطة رمزية جديدة، مهما كان شعارها جميلًا. يحتاج إلى دين يداوي أثر السلطة، لا دين يلبس بعض ملامحها.

والمعارضون، أو المتحفظون، يحتاجون كذلك إلى إنصاف اللحظة وعدم تحميلها أكثر مما تحتمل. ليس كل تكبير جماعي مشروع هيمنة، وليس كل راية إعلان حرب على المجتمع، وليس كل شاب يخرج فرحًا بالعيد حاملًا في قلبه رغبة في السيطرة. التعميم يفسد النقاش كما تفسده المبالغة. ولعل الطريق الأقوم أن نقرأ الظاهرة من خلال أثرها، لا من خلال تخوين أصحابها. فمن تسبب في تعطيل طريق، أو إرعاب مارة، أو إرباك حياة الناس، يحتاج إلى تنبيه أخلاقي ومدني، لا إلى شيطنة. ومن فرح دون أذى، واحترم الناس، وحفظ حق الطريق، فلا يصح أن يُحاكم بنية غيره أو بذاكرة لا يملكها وحده.

الميزان هنا بسيط وعميق: كل مظهر ديني يزيد السكينة فهو من روح الدين. وكل مظهر ديني يجعل الناس تضيق بالدين يحتاج إلى مراجعة. لا لأن الناس هم مصدر الحق، وإنما لأن الدين نفسه جاء رحمةً وهدايةً وعدلًا، ولا يليق به أن يُقدَّم للناس في صورة ضغط أو زحام أو غلبة كما يصر عليه بعض الفئات استنادًا لآراء غريبة. قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. والرحمة هنا ليست كلمة تزيينية نضعها في الخطب. إنها معيار حضور. فإذا حضر الدين ولم يشعر الناس أجمعهم بالرحمة، فثمة خلل في طريقة حضوره، ولو بقيت الكلمات صحيحة. كما قال ابن القيم رحمه الله: ” فَإِن الشَّرِيعَة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح الْعباد، فِي المعاش والمعاد، وَهِي عدل كلهَا، وَرَحْمَة كلهَا، ومصالح كلهَا، وَحِكْمَة كلهَا، فَكل مَسْأَلَة خرجت عَن الْعدْل إِلَى الْجور، وَعَن الرَّحْمَة إِلَى ضدها، وَعَن الْمصلحَة إِلَى الْمفْسدَة، وَعَن الْحِكْمَة إِلَى الْعَبَث فليستْ من الشَّرِيعَة، وإنْ أُدخلتْ فِيهَا بالتأويل”.

إن أكثر ما نحتاجه اليوم هو نقل النقاش من سؤال المظهر إلى سؤال الأثر. لسنا بحاجة إلى معركة حول من يحب التكبير ومن يكرهه. ولا إلى اصطفاف جديد بين من يتهم الناس بضعف الدين، ومن يتهم المتدينين بالرغبة في السيطرة. نحن بحاجة إلى سؤال أنضج: كيف نصون فرح العيد دون أن نجرح الذاكرة؟ كيف نحفظ حق التعبير الديني دون أن نهدر حق الطريق؟ كيف نجعل التكبير بابًا إلى الطمأنينة، لا بابًا إلى خوف قديم بثوب جديد؟

أقسى ما في التمظهر الديني حين يتحول إلى غلبة أنه يجعل الناس لا تخاف من الباطل وحده، وإنما تخاف من الحق حين يُقدَّم على هيئة قوة ضاغطة. وهذه مأساة لا ينبغي أن يرضى بها مؤمن عاقل. فأن يخاف الناس من الظلم مفهوم، وأن يخافوا من القهر مفهوم، أما أن يخافوا من كلمة عظيمة لأنها ارتبطت في ذاكرتهم بالحشد والغلبة والاقتتال، فذلك جرح في صورة الدين يحتاج إلى ترميم طويل.

ولعل واجب المتدين اليوم، خاصة في سوريا، أن يحمي الدين من سوء تمثيله، لا أن يطالب الناس بالصمت أمام كل مظهر يرفع اسمه. حماية الدين لا تكون بكثرة الشعارات. تكون بأن يشعر الناس أن المتدين إذا حضر، حضر معه الإنصاف. وإذا فرح، لم يؤذِ. وإذا رفع صوته، بقي قلبه خفيضًا أمام حقوق الناس. وإذا مشى في الطريق، تذكر أن الطريق ليس له وحده.

ليست المسألة إذن في إسكات التكبير، ولا في إطلاق المظاهر الدينية بلا ضابط. المسألة في استعادة المعنى وبناء الوعي. أن يعود التكبير ذكرًا يطمئن، لا حشدًا يربك. وأن يكون العيد فرحًا يوسع قلوب الناس، لا مشهدًا يضيق به بعضهم. وأن تبنى السردية السنية الجديدة في سوريا على سؤال أكثر نبلًا من سؤال امتلاك الشارع: هل صار الناس أكثر أمنًا وكرامة حين حضر متيدنونا في الشارع؟ ولا أجمل كمثال على ذلك من الرحمة التي يظهر بها جيشنا وشرطتنا اليوم مع الجميع بلا استثناء في كثير من القصص التي ضجت بها المجالس فضلاً عن الشاشات.

هذا هو الامتحان الحقيقي. فالدين الذي لا يجعل الإنسان آمنًا في الطريق، سيبقى محتاجًا إلى مراجعة طريقة حضوره، مهما علت أصوات أصحابه. والسردية التي تريد أن تكون جامعة لا تبدأ من رفع الراية، وإنما من جعل الناس يثقون أن الراية، حين تُرفع، لا تُظلّل جماعة وحدها، وإنما تحمي كرامة الجميع.

27/05/2026

 

أيمن قاسم الرفاعي

Ayman Q. Alrefai

دكتــــــوراة دراســـــات إسلاميـــــة في العلوم السياسية
باحــث متخصـص في مجـال الإدارة والسياســة العامة
مدون وكاتب في مجال الفكر والفن والأدب والقصة والشعر

آخر ما حرر
مقالات ذات صلة
Scroll to Top