ما الذي بقي من #محمدﷺ فينا؟
يعود الخلاف في المولد النبوي كل عام إلى السؤال نفسه: هل الاحتفال بمولد النبي ﷺ مشروع أم محدث؟
وقد استقر لكل طرف بناؤه الحجاجي. يرى المانع أن تخصيص يوم يتكرر على هيئة دينية لم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه إدخال لما لم يكن في الدين، وأن صدق المحبة يظهر في الاتباع. ويرى المجيز أن الاجتماع للسيرة والصلاة على النبي والصدقة وإطعام الطعام أعمال مشروعة في أصلها، وأن إظهار الفرح بميلاده صورة من المحبة والتعظيم.
هذا خلاف فقهي حقيقي له مجاله وأدواته. لكن استمرار السؤال قرونًا يسمح بسؤال آخر: “ما الذي جعلنا طول الخلاف أقل انتباهًا إليه؟”
تبدأ المشكلة من كلمة «المولد» نفسها. فالاسم يجمع تحته وقائع مختلفة: مجلسًا للسيرة، ومديحًا، وصدقة، واحتفالًا اجتماعيًا، وممارسات يعتقد أصحابها لها خصوصية دينية. وقد ينكر بعض المجيزين صورًا يقبلها غيرهم. وهكذا قد يحاكم كل طرف صورة مختلفة وهو يظن أنه يتحدث عن الظاهرة نفسها.
ولو نزعنا الاسم لحظة، وأبقينا بعض الأفعال، لتغير المشهد. مجلس للسيرة في يوم عادي، اجتماع للصلاة على النبي، صدقة، إطعام، حديث للأبناء عن محمد ﷺ؛ كم من هذه الأفعال سيبقى موضع نزاع إذا لم تُجمع تحت عنوان «المولد» ولم تُمنح خصوصية زمانية؟
وبالعكس، لو مر يوم المولد على إنسان من غير احتفال مخصوص، بينما استمر في الصلاة على النبي، وقراءة سيرته، وتمثل خلقه، والالتزام بما يراه من سنته، فهل يصبح ذلك محل خلاف لأنه وقع في يوم المولد؟
هذه التجربة تكشف أن جزءًا من النزاع يتعلق بالاسم والتخصيص والمعنى الذي يمنحه الإنسان للفعل حين يجمعه تحت المناسبة.
ثم تقودنا الظاهرة إلى طبقة أعمق.
فالإنسان يصنع للوقائع المهمة ذاكرة. تحفظ الأمم أيامها المؤسسة، والعائلات سير موتاها، والجماعات قصص نشأتها، لأن الذاكرة إحدى وسائل استمرار المعنى عبر الزمن. ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب من ظاهرة المولد: أجيال لم تر النبي ﷺ احتاجت إلى وسائط تبقيه حاضرًا في وعيها؛ فكان القرآن والحديث والسيرة والتعليم، ونشأت إلى جوارها أشكال اجتماعية وثقافية لاستدعاء ذلك الحضور.
غير أن الذاكرة تحمل مفارقتها في داخلها: **قد تحفظ صورة الشيء فيما يبهت مضمونه.**
تخيل رجلًا وجيهًا عُرف بالحكمة والعدل وصيانة الضعيف. يموت الرجل، ويبقى أبناؤه وأحفاده يروون سيرته، ويتباهون باسمه، ثم يأكل بعضهم حقوق بعض، ويستقوي الكبير على الصغير، ويتنازعون على الإرث والزعامة، وربما رفع كل واحد منهم اسم أبيه في وجه الآخر وهو يفعل ما كان الأب نفسه ينهى عنه.
هم لم ينسوا الرجل؛ بل أكثروا من ذكره. لكن سيرته بقيت على الألسنة وابتعدت عن طريقة العيش.
وهنا ينتقل السؤال من كيفية تذكر ميلاد محمد ﷺ إلى معنى أن نتذكر محمدًا أصلًا.
فالقرآن، حين يتناول المحبة، يضعها على طريق الفعل:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
وحين يحدد علاقة المؤمن بالنبي يقول:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
وتكشف آية الأعراف طبيعة هذا الأثر:
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ… وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157].
محمد ﷺ في هذه الصورة القرآنية أثر يتحرك في الإنسان: معروف ينهض، ومنكر يتراجع، وأغلال تسقط.
ومن هنا تنقلب زاوية النظر من سؤال ما نفعله تجاه محمد ﷺ إلى سؤال أشد نفاذًا:
ماذا فعل محمد ﷺ فينا؟
يقول المحتفل: أفعل ذلك محبةً لرسول الله.
ويقول الرافض: أتركه اتباعًا لرسول الله.
الأول يخشى أن تفقد العلاقة حرارة المحبة، والثاني يخشى أن يفقد الاتباع انضباطه. والقرآن يأخذ المحبة والاتباع معًا إلى موضع ظهورهما في الإنسان.
فقد ينشغل المرء بإثبات محبته للنبي حتى تستوفي العبارة حاجته إلى الشعور بالقرب منه، فيما يبقى أثر تلك المحبة محدودًا في حياته. وقد يستغرق آخر في حراسة صورة الاتباع، فيما تظل ثمار ذلك الاتباع بحاجة إلى أن تُرى في سلوكه.
وهنا يجدر أن نغيّر زاوية الكاميرا.
نترك ليلة المولد تمضي، ثم نتابع الإنسان في يومه العادي: كيف يختلف؟ كيف يعامل الضعيف؟ ماذا يفعل حين يملك؟ هل يحفظ الأمانة حين يستطيع خيانتها؟ وما مقدار الرحمة والعدل والصدق الذي يحمله إلى علاقاته؟
بل إن الخلاف حول محمد ﷺ نفسه جزء من هذا الامتحان.
فالقرآن الذي صنع أخلاق محمد ﷺ يقول:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34]،
ويقول:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8].
ويصف رسوله بقوله:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
لهذا يصبح أدب الخلاف حول المولد جزءًا من موضوع المولد ذاته. فالذي يحتفي بمحمد ﷺ ثم يهدر كرامة من يخالفه فيه، والذي يدافع عن سنته ثم تحمل لغته الفظاظة والاحتقار، يقدمان داخل الخلاف نفسه مادة لاختبار مقدار حضور النبي فيهما.
إنها مفارقة كاشفة: **نتخاصم في الطريقة الصحيحة لتعظيم محمد ﷺ، بينما تستطيع طريقة الخصومة أن تكشف مقدار ما بقي من أخلاق محمد ﷺ فينا.**
وقد صار الموقف من المولد في بعض البيئات علامة انتماء؛ يكشف المدرسة والجماعة وشبكة من التصنيفات. وعندما يدخل الرأي في تكوين الهوية، يكتسب الخلاف وظيفة إضافية: إعادة إعلان **من نحن**. لذلك تستعاد الخصومة كل عام، حتى إن الخلاف حول الحدث اكتسب شيئًا من دورية الحدث نفسه.
وهنا يظهر الغائب الذي ظل خلف السؤال المتنازع عليه:
ماذا بقي من محمد ﷺ في الإنسان الذي يحتفل به، وماذا بقي منه في الإنسان الذي يرفض الاحتفال به؟
هذا السؤال لا يطلب من أحد أن يغادر موقفه الفقهي، لكنه يمنعه من الاكتفاء به.
فالمسافة التي تكشفها القضية هي بين مقدار حضور محمد ﷺ في خطاب الإنسان ومقدار حضوره في تكوينه.
ومن هنا يطل السؤال الأبعد:
هل ما يزال محمد ﷺ يولد في أخلاقنا ووعينا وطريقتنا في رؤية الإنسان؟
الميلاد التاريخي وقع مرة واحدة، أما أثر النبوة فيستطيع أن يتجدد كل يوم: في عدل يغلب المصلحة، ورحمة تضبط الغضب، وأمانة تصمد أمام إمكان الخيانة، وفي قدرة على الاختلاف من غير ظلم ولا امتهان.
وحين يظهر خلق القرآن حتى في لحظة الخلاف على النبي نفسه، تمتد الذكرى من التقويم إلى الإنسان.
وعندها ينكشف السؤال الذي أخفاه طول النزاع:
إذا كان كل طرف يعتقد أنه ينصر محمدًا ﷺ بطريقته، فأين يظهر محمد ﷺ فيه؟
ربما كان هذا ما كان ينبغي أن نراه قبل أن نختلف.
وربما كان أول ما غاب عن أعيننا حين طال الخلاف.
24/08/2026 – 11/03/1448









